الثلاثاء 16 سبتمبر/ايلول 2014، العدد: 9681
اختيارات
المحرر
روسيا ومصالحها الجيوسياسية في أوكرانيا
يبقى الشيء المهم في حياة أوكرانيا القادمة: من الذي سينقذ الاقتصاد الأوكراني المفلس ويتحمل أعباء المرحلة القادمة ، في ظل الحالة الاقتصادية والمالية الأوروبية والعالمية.
العرب خالد ممدوح العزي [نُشر في 28/02/2014، العدد: 9483، ص(6)]
لم يصمد النظام الأوكراني المدعوم من روسيا أكثر من ثلاثة أشهر، حيث تلقت روسيا صفعة قوية جراء هذا السقوط المدويّ. روسيا لا تزال تحاول استيعاب الصدمة على الرغم من كون الإعلام الروسي يعتبر أن سقوط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش هو بمثابة انتصار لروسيا ورئيسها. تمكنت أوروبا من حسم المعركة في أوكرانيا خوفا من ارتكاب حماقة على أرضها في ظل الصراع القائم والمفتوح بين العملاقين روسيا وأميركا وساحاتها التي أضحت أوكرانيا وسوريا، وانتقال عدوى الحرب “الأهلية” إلى أراضيها. الغرب يعلم جيداّ، أن لروسيا مصالح تاريخية في أوكرانيا مرتبطة بالثقافة واللغة والدين والعلاقات الاجتماعية والتاريخ، وللغرب أيضا مصالح اقتصادية وأمنية ودبلوماسية مع روسيا يفترض الحفاظ عليها، ولا يريد توتير العلاقة معها ـ وربما تحرك أوروبا السريع في حسم التجاذب بين موسكو وواشنطن للضرورات الأوروبية وما يخص الأمن القومي الأوروبي بشكل خاص، ولارتباط أوكرانيا بهذا الفضاء الديمقراطي، والمصالح الجيو-سياسية الأوروبية.

فإن ما حدث، هو أن سلطة المقربين من روسيا بوتين تتهاوى بقوة، لكن أوكرانيا الجديدة لم تولد بعد، كما لم تنته مجهولات مستقبلها بما في ذلك احتمالات “فدرلتها”، ودخولها في توتر أهلي ساخن وردود الفعل الروسية . على الرغم من كل هذه المجهولات، فما جرى هو على المستوى الجيو- ستراتيجي هزيمة كبرى لسياسة بوتين ومشاريعه، ولمحاولاته احتلال مكانة الاتحاد السوفيتي في قطبية ثنائية مُجدَّدة. لكن المساءلة اليوم تختلف، الجميع ينتظر ردة فعل روسيا على هذا السقوط السريع الذي لم تجد من يتحمل المواجهة عنها في أوكرانيا.

لكن يبقى الشيء المهم في حياة أوكرانيا القادمة: من الذي سينقذ الاقتصاد الأوكراني المفلس ويتحمل أعباء المرحلة القادمة ، في ظل الحالة الاقتصادية والمالية الأوروبية والعالمية . وهل أوروبا، وتحديدا انغلي ميركيل في ألمانيا حسمت أمرها بأن أوكرانيا وصراعها أهم من مصالحها مع موسكو، أم سيكون رد موسكو قويا ومتهورا وفوقيا كالعادة، كما حصل في جورجيا عام 2008، وتنفذ نفس المخطط الذي كان يفكر فيه الغرب سابقا منذ عام 2004، أي التقسيم وأخذ القسم الغني من أوكرانيا الذي يملك قوة اقتصادية وصناعية ومعادن طبيعية، ومنفذا على البحر الأسود بأسطول بحري عسكري وتجاري

. روسيا التي تعتبر أن عودة أوكرانيا إلى فضائها يعني عودتها كإمبراطورية كبيرة، ولاعبا دوليا كبيرا، وبالتالي مصالحها الجيو- سياسية والجيو- استراتجية تقضي بأن تكون أوكرانيا ضمن فضائها نظرا إلى موقع أوكرانيا الجيو- سياسي، والرابط بين أوروبا وروسيا ـ والتي تستعد روسيا بإعلان قوتها الاقتصادية القادمة من خلال ربط أوكرانيا بمجموعة الأوراسيا. لروسيا جالية كبيرة في أوكرانيا تعيش في مناطق تاريخية كانت تابعة للإمبراطورية القيصرية في منطقة شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبل مركز الأسطول البحري العسكري والتجاري والمنفذ الجنوبي على المياه الدافئة، حلم القياصرة القديم للوصول إلى هذه المنطقة .

أوكرانيا التي تحمي حدودها الغربية وتشكل عائقا أمام تمدد حلف الناتو إليها، أوكرانيا التي تؤمن لروسيا يدا عاملة رخيصة وسوقا استهلاكيا كبيرا، وتؤمن لها ضخ الغاز والنفط للغرب بطرق آمنة. أوكرانيا مركز آمن للجالية الروسية والكنسية الروسية التي تشكل 29 بالمئة من مجموع السكان، إضافة إلى السيطرة على الكنيسة الأورثوذكسية الأوكرانية . وفي إطار الحرب الجيو- سياسية الدائرة بين الغرب وروسيا، تستطيع الأخيرة أن توظف أدواتها الناعمة والخشنة في الحرب المقبلة، للحد من جاذبية المجتمع الأوكراني إلى أوروبا، من خلال فرض القيود التجارية على المنتجات الأوكرانية الكثيرة، ضمن بادرة على إجراءات قد تتخذها موسكو ضد كييف، إضافة إلى تجميد القرض المالي وتخفيض سعر شراء الغاز.

ربما ينتهي الأمر، والآن قد تطلّع موسكو إلى تفاهم مع الغرب، تحديدا مع الولايات المتحدة، لتعويض الخسارة الفادحة التي حصدتها، ربما ببلورة وضع خاص لأوكرانيا يحمي مصالح روسيا الجيو- سياسية في تدوير ملفات حامية بين الدولتين لأن قوة أوروبا الناعمة، كون الاتحاد الأوروبي يجب ألا يعتمد فقط على القوة الناعمة، كي يتسنى له كسب أوكرانيا إلى جانبه. وهذا يتطلب الدخول في لعبة أكثر ذكاء لتعظيم المكاسب المتحققة من قوة أوروبا الناعمة. المدخل الرئيس لتحقيق هذه الغاية، يتمثل في مزيد من التواصل مع المجتمع الأوكراني.

فالأيام القادمة هي التي ستشرح الاتفاقيات والمحادثات السرية التي لم يعلن عنها من أجل تسيير المصالح وليس الحرية والديمقراطية، لأن التساؤل الخاص بمستقبل أوكرانيا ووجهتها لم يحسم بعد.

البحث
خالد ممدوح العزي
أرشيف الكاتب
روسيا تكرر السيناريو الجورجي في أوكرانيا الشرقية
2014-05-21
سيناريوهات الانتخابات الأوكرانية القادمة
2014-04-25
إعلام التواصل الاجتماعي مصدر للمعرفة أم لتشويهها
2014-04-24
تشدد روسي بعد التطورات في أوكرانيا وسوريا.. ولكن
2014-04-21
أميركا وروسيا وتبادل الأدوار من سوريا حتى القرم
2014-04-03
القضية الفلسطينية في الاستراتيجية الروسية
2014-03-27
النكسة والارتباك الروسي من أوكرانيا إلى سوريا
2014-03-25
معوقات الإعلام العربي في أوكرانيا
2014-03-17
روسيا ومصالحها الجيوسياسية في سوريا
2014-03-12
أوكرانيا ما بين الأزمتين القومية والاقتصادية
2014-03-10
المزيد
المقال على صفحات العرب
...
>>
  • صحيفة العرب تصدر عن
  • Al Arab Publishing Centre
  • المكتب الرئيسي (لندن)
    • Kensington Centre
    • 66 Hammersmith Road
    • London W14 8UD, UK
    • Tel: (+44) 20 7602 3999
    • Fax: (+44) 20 7602 8778
  • للاعلان
    • Advertising Department
    • Tel: +44 20 8742 9262
    • ads@alarab.co.uk
  • لمراسلة التحرير
    • editor@alarab.co.uk