First Published: 2017-06-16

أفول الأمم: الجغرافيا الجيولوجية والجغرافيا السياسية

 

تيران وصنافير هي مستوى من الأفول الحضاري، تشبه سد النهضة الأثيوبي وتآكل النفوذ المصري وعدم وضوح مشروعه تجاه المستقبل، وتعامله بالقطعة مع الوجود في العالم، وفقدانه وعيه بذاته وبمكونات هويته التاريخية ومحدداته، وكيف ينهض ويقوم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. حاتم الجوهري

لكل بلاد الدنيا جغرافيا جيولوجية؛ أو تضاريس طبيعية وجيولوجية بحتة تتعلق بطبيعة الأرض وسماتها التي تضمها حدودها الجغرافية، ولكن ليس لكل بلاد الدنيا جغرافيا سياسية أو تأثير مستمر ومتجدد على حدودها يرتبط بسياستها ومشروعها وهويتها كأمة.

وهناك علاقة جدلية دائما بين الحضارة وازدهارها وبين الجغرافيا السياسية، فكلما تذكرت أمة ما مشروعها واستعادت ذاكرتها الحضارية بحثت عن تأمين وجودها عبر تغيير حدودها الجغرافية، لتتفق مع حدودها الحضارية ومشروعها السياسي وليس مع حدودها الطبيعية. ويصح القول كذلك بأن الأمم كلما أفلت كلما تراجعت علاقتها بالجغرافيا السياسية، وأسقطت دروعها ولم تهتم بالبحث عن التمدد الجغرافي سعيا وراء الموانع الطبيعية أو سعيا لتشكيل حاضنة في رقعة من الأرض، لتجمع ما تشتت على أحد مستويات الهوية سواء: العرق، أو الدين، أو اللغة، أو الموروث التاريخي المشترك!

وحين يتراجع وجود الجغرافيا السياسية في أمة ما، ويحضر بدلا منها الجغرافيا الجيولوجية أو الطبيعية، فإن ذلك عادة ما يكون لحساب صعود أمة أخرى (أو وكيل لأمة أو حضارة أخرى)، تشغل هي حيز الجغرافيا السياسية وتبسط نفوذها على موانعه الطبيعية ومفاصله وشرايينه الرئيسية، فالحضارات دائما في حالة تدافع ولابد من سيادة أحدها وتراجع الآخرين.

وفي قضية الجزيرتين المصريتين بحكم الجغرافيا والتاريخ الموروث من الحقبة الزمنية الماضية، خرجت بعض دعاوي النخبة لتبرر لحضور الجغرافيا الطبيعية والجيولوجية وتقول بمنطقية نقل التبعية السياسية على الجزيرتين للسعودية. هنا نقف طويلا وفق المعادلة الحضارية التي تقول: بضرورة حضور الجغرافيا السياسية لصالح أمة ما في كل عصر، هل تملك السعودية مشروعا حضاريا وسياسيا من الضرورة بمكان يجعلها تتمدد جغرافيا على مضايق البحر الأحمر وخليج العقبة! وإذا كانت الإجابة بالنفي فمن الذي سيكون له الكلمة العليا في بسط نفوذ الجغرافيا السياسية على تيران وصنافير؟

مؤخرا عاد الحديث في الدولة الصهيونية إسرائيل وكيل الحضارة الغربية في المنطقة العربية وبلاد الشرق، عن مشاريع لقناة إسرائيلية بديلة تربط المتوسط بالبحر الأحمر، وعن خطوط سكك حديدية وعن مشاريع أخرى وخطط عسكرية كذلك!

غياب المشروع العربي الحضاري، وعدم انتظامه حول اللحظة التاريخية للثورات العربية في 2011، جعل وجوده تابعا مفرغا من فكرة رئيسية تحكمه، تسوقه التناقضات التي يؤكد عليها ويرعاها الغرب بقيادة الولايات المتحدة والمندوب السامي إسرائيل، وأهم تناقض سيحضر في المرحلة القادمة هو الانتظام في تناقض الصراع مع الإرهاب، حيث سنجد اصطفافا لا يقوم على أي من مستويات الهوية العربية ومكوناتها، مع الصهيونية وأميركا، وشقا للصف العربي دون مبرر سوى غياب مشروع قيامة جديدة للذات العربية بعد تفكك مشروع عبدالناصر سواء كنت معه أو ضده.

وليس مصادفة ان عزل قطر ونقل تبعية الجزيرتين تم في وقت واحد تقريبا، فهم يطرقون على الحديد وهو ساخن، المنطقة العربية تشهد عودة الجغرافيا السياسية وحضورها في المشهد بقوة، ولكن ليس لصالح مكونات الهوية العربية لتعيد صف وبناء المنطقة، وإنما لصالح الآخر الغربي الذى نجح في إدارة التناقضات العربية بتفوق بين فرق الدين السياسي (الإخوان ومن معهم) وبين القوميين (موروث المؤسسات العسكرية والأجهزة البيروقراطية)، وهو التناقض الكامن خلف كل لحظة مفصلية وهروبها منذ 2011 وحتى الآن، منذ شق الصف بالإخوان في استفتاء مارس على التعديلات الدستورية، ثم صعودهم للحكم، وتوظيف فصائل اليسار والليبرالية المصرية ولجنة الخمسين لإزاحتهم مرة أخرى.

مع كل تقديري للعالم المصري المرموق د.فاروق الباز، الجغرافيا السياسية هي الفاعل الرئيسي في نقل تبعية الجزيرتين، للسعودية، وتبرير وتسويق دعاوي الجغرافيا الطبيعية والجيولوجية للعامة والبسطاء من المصريين، لا يختلف كثيرا عما كان يفعله الأباطرة الرومان بإلهاء الناس بالمهرجانات والألعاب والمصارعين العبيد في حلبات روما!

عقيدة الجغرافيا الطبيعية هي انحسار الهوية السياسية للبلاد وأفول الأمم وانهيارها، كل الأمنيات أن تجد البلاد مخرجا من التناقضات، وأن تجد ولو الحد الأدنى من الوعي بالذات لتجد لنفسها مشروعا اقتصاديا يقوم على تفعيل السمات الجغرافية الحقيقية للبلاد، وتفكيك المنظومة الاقتصادية القديمة وشبكة مصالحها، وضخ الحياة وبعثها في أرجاء مصر المتنوعة، وسلتها الجغرافية التي تشمل البحيرات والواحات والصحاري والبحار، لنضمن حتى الحد الأدنى من الاستقلالية وضمان دوران عجلة البلاد دون الحاجة للخضوع والإملاءات، لنصبح كما المثل البلدي الموروث "كافية خيرها شرها".

تيران وصنافير هي مستوى من الأفول الحضاري، تشبه سد النهضة الأثيوبي وتآكل النفوذ المصري وعدم وضوح مشروعه تجاه المستقبل، وتعامله بالقطعة مع الوجود في العالم، وفقدانه وعيه بذاته وبمكونات هويته التاريخية ومحدداته، وكيف ينهض ويقوم، ستعود عقيدة الجغرافيا السياسية بقوة رافضة دعاوي الجغرافيا الجيولوجية، الشارع العربي في حالة سخط نفسي شديد نتيجة لعدم الشعور بما يمكن تسميته "توازن المكانة"، وهو الشعور بامتلاك أسباب النهضة ومكوناتها والوعي بها، وفي الوقت نفسه عدم قدرته على تحقيق ذلك، جدل "عدم توازن المكانة"، وعدم الشعور بالرضا أقوى من أي سيطرة أمنية او ضغوط اقتصادية حاضرة، ازدياد الشعور "بعدم توازن المكانة" بين طموح الشارع العربي ووعيه بذاته، وواقعه الأليم الآفل، قد يؤدي لحدوث صدامات وانتفاضات بقوة غير متوقعة.

شعور الشارع العربي والمصري الفطري بعقيدة الجغرافيا السياسية وتراجعها، وجرح الكرامة بنقل التبعية السياسية وتسليم الجزيرتين للسعودية (والهيمنة الصهيونية غير المباشرة عليهما) باسم الجغرافيا الجيولوجية، سيظل جرحا غائرا في الوعي واللاوعي، لن يندمل مع الأيام وقد يتحول هذا الشعور بجرح الكرامة وعدم "توازن المكانة" لأشكال صادمة من الرفض، الآجل أو العاجل.. بحثا عن استعادة الذات العربية وقيامتها مجددا، وبسطها ليدها على كل الموانع والشرايين الجغرافية الحاكمة والضامنة لمكونات هويتها وحضارتها وسيطرتها على مقدراتها.

 

د. حاتم الجوهري

 
د. حاتم الجوهري
 
أرشيف الكاتب
سارتر والصهيونية: الفلسفة بين النظرية والتطبيق
2017-07-02
القومية الثقافية 'اليهودية': نموذج تفسيري جديد
2017-06-26
أفول الأمم: الجغرافيا الجيولوجية والجغرافيا السياسية
2017-06-16
الخيال بين رامز وألف ليلة وليلة
2017-06-09
مصر: أزمة الصحافة الثقافية وقواعد العمل العام
2017-06-08
أزمة ما بعد الحداثة العربية: زيدان وصلاح الدين
2017-05-18
المزيد

 
>>