First Published: 2017-06-18

للمرّة الثالثة... قرار خليجي بأخذ المبادرة

 

ليس في استطاعة قطر ممارسة الشيء وضدّه في الوقت ذاته. هذه لعبة انتهت ولا بد من البحث عن لعبة جديدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ليس الموضوع موضوع الشماتة بقطر بمقدار ما انّه مرتبط بمصلحة دول مجلس التعاون الخليجي الذي اسمه "مجلس التعاون لدول لخليج العربية". من السهل القول ان قطر لم تتحالف او تتواطأ مع ايران يوميا ضدّ الدول العربية في الخليج وغير الخليج. الحقيقة انّها تحالفت مع ايران أحيانا ودخلت في تنافس معها في أحيان أخرى، كما حصل في سوريا مثلا.

ما لا يمكن تجاهله ان قطر عملت كلّ شيء من اجل اضعاف مجلس التعاون الخليجي في ضوء ما تعتبره منافسة بينها وبين المملكة العربية السعودية. وهذا ما صبّ بطريقة او باخرى في مصلحة ايران التي تتربّص بكلّ دولة من دول الخليج العربي، بما في ذلك سلطة عُمان، التي تعتبر نفسها حالة خاصة. هناك ظروف معيّنة تفرض على عُمان التعاون مع ايران من منطلق الحدود المشتركة بين البلدين وتحكّمهما معا بمضيق هرمز. لذلك كانت عُمان حليفة لإيران في عهد الشاه الذي ارسل قوات ساعدت في القضاء على ثورة ظفار في أواخر ستينات القرن الماضي واوائل السبعينات من ذلك القرن. كذلك، لعبت عُمان دورا اساسيا في التوصّل الى الاتفاق في شأن الملف النووي الايراني عندما استضافت المفاوضات السرّية الاميركية ـ الايرانية التي مهدّت لتوقيع الاتفاق في مثل هذه الايّام من صيف العام 2015، عندما كان باراك أوباما لا يزال في البيت الأبيض.

مفهوم الى حدّ ما ما تفعله عُمان، الحريصة على تلك العلاقة المتميّزة مع ايران بغض النظر عن النظام القائم في طهران. عُمان حليفة لنظام الشاه وحليفة أيضا للنظام الذي أقامه الخميني تحت تسمية "الجمهورية الإسلامية". لديها فلسفة خاصة لتعاطيها مع ايران. ما ليس مفهوما هو السياسة القطرية التي تتذرّع بان حقل الغاز المشترك، وهو من اكبر الحقول في العالم، ان لم يكن اكبرها، يفرض التعاون مع ايران. نعم، ان اقتسام ثروات هذا الحقل تفرض تعاونا في مجالات معيّنة مع ايران ولكن هل راعت "الجمهورية الإسلامية" يوما المصالح المشروعة لدول الخليج، على رأسها المملكة العربية السعودية؟ هل توقفت عن ممارسة سياسة الاستثمار في اثارة الغرائز المذهبية في البحرين؟ هل قبلت ان تكون شيئا آخر غير قوة استعمارية وقوة احتلال على الطريقة الإسرائيلية في ما يخص الجزر الاماراتية الثلاث المحتلة منذ العام 1971؟

المشكلة ان قطر، على خلاف عُمان ذات الموقع الجغرافي المختلف، والتركيبة السكانية الخاصة بها، لم تحسن التنظير لسياستها الايرانية، خصوصا في عهد الأمير تميم بن حمد. لم يستطع تميم تغطية العداء السافر للسعودية او للامارات بعبارات من نوع "الجميع في مركب واحد". والقصد بكلمة الجميع كلّ دول مجلس التعاون الخليجي. اكثر من ذلك، لم يستطع الأمير تميم، الذي ورث عن والده مشاكل كثيرة، من بينها تقلّص عائدات النفط والغاز، وكلفة بناء منشآت دورة كأس العالم لكرة القدم في 2022، إيجاد سياسة خاصة به تمكّنه من القول انّه يعي خطورة البقاء اسير الخطوط العريضة التي رسمها الاب من جهة وتأثير الاخوان المسلمين ونفوذهم من جهة أخرى. ذهب الى ابعد مما ذهب اليه والده من دون ان تكون لديه الأدوات الفعالة التي تكفل إيجاد مخارج من المآزق، من نوع مأزق التعاون مع ايران في لبنان الى اقصى حدود التعاون ثمّ دعم بشّار الأسد لمجرّد انّه صار مغضوبا عليه سعوديا بعد ثبوت الدور الذي لعبه في عملية تغطية جريمة اغتيال رفيق الحريري في العام 2005.

للمرّة الثالثة في غضون اربع سنوات، هناك قرار عربي، خليجي تحديدا، يعبّر الى حد كبير عن رغبة في اخذ المبادرة ووضع الإدارة الاميركية امام امر واقع بدل الرضوخ لما تريده واشنطن.

كانت المرة الاولى الموقف من مصر حيث سعى الاخوان المسلمون الى خطف البلد مستخدمين كلّ أنواع التزوير والتحايل في الانتخابات النيابية والرئاسية، بما في ذلك الإعلان عن انهّم لا يريدون الحصول على أكثرية نيابية وايصال مرشّح منهم الى رئاسة الجمهورية. لم تأخذ السعودية والإمارات موقف الإدارة الاميركية في الاعتبار عندما تبيّن ان الشعب المصري يريد التخلص من الاخوان المسلمين ومن رئاسة محمّد مرسي. دعمتا الثورة الشعبية في حزيران ـ يونيو 2013. تخلصت مصر أخيرا من حكم الاخوان المسلمين، الذي كان يحظى بدعم إيراني مباشر وغير مباشر، ووفّرتا مع الكويت مساعدات للحكم الجديد الذي صار على رأسه عبدالفتاح السيسي.

كانت المرّة الثانية في اليمن. انطلقت "عاصفة الحزم" في آذار - مارس لوضع حد لمشروع إيراني يستهدف تطويق دول الخليج العربي من كلّ الجهات وذلك على الرغم من كلّ التحفّظات الاميركية. كانت قطر شريكا في "عاصفة الحزم"، لكنها لم تكن في أي وقت شريكا فعّالا، بل كانت مشاركتها من باب رفع العتب لا اكثر ولا اقلّ وفي اطار حسابات خاصة جدا مرتبطة بتطور العلاقات بين السعودية والإمارات نحو مزيد من التنسيق في العمق بين الجانبين.

جاءت المرة الثالثة في ظلّ أجواء أميركية مواتية سهلها رحيل باراك أوباما عن البيت الأبيض. ليس الموقف السعودي – الاماراتي – البحريني – المصري من قطر موقفا اميركيا. هناك مرّة أخرى موقف عربي مستقل تفرضه المصلحة المشتركة الخليجية. صحيح ان الموقف الاميركي من قطر والدور الذي تلعبه على الصعيد الاقليمي صار مختلفا واقرب الى التفكير السائد في الرياض وأبوظبي، لكنّ الصحيح أيضا ان ليس في الإمكان اللجوء، قطريا، الى وسائل قديمة لاسترضاء الولايات المتحدة من نوع صفقة طائرات "اف – 15" ببضع مليارات من الدولارات معها. ليس في استطاعة قطر ممارسة الشيء وضدّه في الوقت ذاته. هذه لعبة انتهت ولا بد من البحث عن لعبة جديدة.

مشكلة قطر ليست مع الولايات المتحدة على الرغم من ان هناك تغييرا في الولايات المتحدة. لم تعد قاعدة العيديد غطاء كافيا يسمح لقطر بممارسة كلّ أنواع السياسات، بما في ذلك عقد صفقات مع ايران وادواتها في شأن سوريا بحجة اطلاق الصيادين الذين احتجزوا في بادية السماوة العراقية أواخر العام 2015. ما هذه الصفقة التي تؤمن لميليشيات مذهبية إيرانية وأخرى تمثل امتدادا لـ"القاعدة" بالحصول على كميات ضخمة من الأموال قطرية؟

مشكلة قطر مع محيطها العربي اوّلا وأخيرا. هناك ثلاثة امثلة لا يمكن الهرب منها من اجل العودة الى ممارسة سياسات قديمة باتت جزءا لا يتجزّأ من نهج قطري يقوم على فكرة التذاكي والذهاب الى امكنة لا يستطيع الآخرون الذهاب اليها. ثمة حاجة بكل بساطة، الى تغيير جذري في السلوك القطري بعيدا عن المناورات وتمرير الوقت. فالمناورات وتمرير الوقت لن تفضي الى اكثر من استغلال تركي للخلافات العربية ـ العربية وانتهازية إيرانية يمارسها نظام فاشل في بحث دائم عن اختراقات في الدول المجاورة وفي مناطق بعيدة مثل لبنان، على سبيل المثال وليس الحصر.

ما حصل بعد دعم مصر كي تتخلّص من الاخوان المسلمين وحكمهم، انما حصل خلافا لرغبات واشنطن. ما يحصل حاليا من مقاطعة لقطر لا يحظى في الضرورة بتأييد أميركي تام، لكنه دليل على ان إدارة ترامب بدأت تنحاز الى العرب العقلانيين الذين امتلكوا ما يكفي من الوعي والحس بضرورة حماية المصلحة الخليجية للتحرّك بجرأة واستقلالية عندما تطلب الامر ذلك، اكان ذلك تجاه مصر في 2013 او تجاه اليمن في 2015... او تجاه قطر في 2017.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ازمة روسيا في سوريا
2017-07-05
اليمن... بعيدا عن عقدة الوحدة والانفصال
2017-07-03
وظيفة \'داعش\' عراقيا وسوريا
2017-07-02
اين سيتوقف الانحدار البريطاني
2017-06-30
\'حزب الله\' والتصالح مع الواقع
2017-06-28
مرحلة ما بعد الحقد على المدن العربية
2017-06-26
مصطفى طلاس... النموذج السنّي المطلوب
2017-06-23
السعودية تستعيد روح المبادرة
2017-06-22
'يوم خطف القدس'
2017-06-21
ملك عصري يستضيف رئيسا عصريا
2017-06-19
المزيد

 
>>