First Published: 2017-06-19

الإسلام هل هو دين أم حزب؟

 

تحويل الإسلام إلى حزب جعله ضيق الأفق لا يقبل بشيء سوى الايديولوجية المنغلقة على نفسها. الأخوان هم المثال الأبرز على هذا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد حبش كنو

منذ أن نشأت حركة الإخوان المسلمين في عشرينيات القرن الماضي وما تلاها من حركات وجماعات إسلامية والإسلام يقدم كحزب وليس كدين.

مفهوم الدين أشمل من مفهوم الحزب حيث أنه من المفروض أن يحتضن كل شيء بسلاسة سواء كانت قوانين وضعية أو تيارات فكرية أو فلسفية أو أشكالا لأنظمة الحكم ديمقراطية كانت أو ملكية وراثية ويحتضن الأحزاب التي تدور في فلك الدولة يمينية كانت أم يسارية.

تحويل الإسلام إلى حزب جعله ضيق الأفق لا يقبل بشيء سوى الايديولوجية المنغلقة على نفسها وجعل منه تيارا يهتم بأشياء دون أخرى حسب الفكرة والمغزى الذي أنشأ من اجله هذا الحزب وهنا برزت فكرة تضخم نصوص معينة على حساب أخرى وهي نقطة مهمة جدا قد تكون سببا لما آلت إليه أحوال المسلمين اليوم حيث يقفون في آخر الطابور الحضاري بين الأمم والشعوب ولذلك سنتحدث عن هذه النقطة بشيء من التفصيل.

قضية تضخم نصوص على حساب أخرى قضية قديمة وليست جديدة حيث ضمرت بعض النصوص مع الوقت وبرزت أخرى حسب التطور الزمني للشعوب بما يناسب تقدمها أو حسب تدخل الحكام لإبراز نصوص تتوافق ونهجها في الحكم ولكنها أخذت مجدها مع بداية تشكل أحزاب إسلامية حيث من الطبيعي أن يلجأ الحزب إلى تضخيم نصوص وإخفاء أخرى أو عدم التركيز عليها بما يناسب أفكارها دعما لايديولوجيتها الحزبية.

بشيء من التدقيق نلحظ أن بعض النصوص التي طفت على السطح وأصبحت منهجا قد تكون نصوصا قليلة الرواية ولم يركز عليها الدين كثيرا أو كانت من الشكليات غير ذات الإهتمام بينما ضمرت نصوص ركز عليها الدين بل إن قاعدة الدين الأساسية تقوم عليها. وبذكر بعض الأمثلة تتضح الصورة أكثر فقد اهتمت حركة الإخوان المسلمين والتيارات الخارجة من رحمها بالرموز أكثر من اهتمامها بالأصول مثل قضية حجاب المرأة واهتمت التيارات السلفية الأكثر تشددا بقضية الرمز أكثر حيث رموا بجل جهودهم حول قضية اللحية واللباس للرجل والمرأة على حد سواء.

تهتم هذه التيارات بهذه الشكليات كثيرا وتتخذها منهجا عاما لدعوتها حتى يخال للمرء أنها من أصول الدين الأساسية وأن الدين لا يقوم إلا بها مع أن النص الواضح عن الرسول يقول إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم. وهو المنطلق الذي ركز عليه القرآن كثيرا وهو إصلاح النفس البشرية وليست هناك في الدين أساسا نصوص تركز كثيرا على شكل الإنسان وملابسه ولحيته وشعره ولذلك هي محل خلاف بين العلماء خاصة إذا علمنا أن القرآن وهو المرجع الأول للدين لم يتطرق مطلقا إلى هذه المسائل لا من قريب ولا من بعيد سوى آية تطلب من نساء النبي أن يدنين عليهن من جلابيبهن حتى لا يؤذين في الطرقات.

عمر جماعة الإخوان المسلمين مئة عام وقد اهتمت كثيرا بالنهج الدعوي فماذا أنتجت في مسقط رأسها وما حولها باعتبارها تشعبت كأخطبوط امتد إلى كل البلدان العربية وغير العربية؟

المشهد ينبئ أنها لم تنتج شيئا سوى انتشار الحجاب في مصر مقارنة بالأيام الخوالي وهو الرمز الذي صرفوا كل وقتهم وجهدهم الدعوي لنشره حتى ثبتوه في المجتمع. ولعل قصة الهضيبي مرشد الإخوان مع جمال عبدالناصر تثبت أن تلك الفكرة قديمة عندهم وركيزة أساسية حيث طلب الهضيبي من عبدالناصر أن يفرض الحجاب في مصر لكن عبدالناصر قال له عليك أن تحجب بناتك أولا فذهب الهضيبي إلى بناته عارضا عليهم الأمر لكنهن رفضن وهن المطلعات على أصول الفقه متحججات بأن الحجاب عادة وليست عبادة. وهنا نتساءل إذا كان الحجاب محل خلاف لم يؤمن به بنات المرشد نفسه فلماذا جعلوا جل اهتمامهم فيه وتركوا كل ما يشغل الأمة من تحديات.

أتساءل كثيرا ماذا لو اهتمت الحركات الإسلامية خلال المئة عام هذه ببناء الإنسان وإصلاح النفوس وتوجيهها نحو العلم والعمل والتنافس الحضاري مع الأمم هل كنا سنرى كل هذه الكمية من الفساد والرشوة والفهلوة والشطارة والكذب والخداع والنفاق والفقر والجوع والتخلف لدى العرب؟

في كل أسبوع يدخل إمام الجامع إلى المصلين ليخطب ساعة عن فضل الصلاة على النبي أو فضل ليلة النصف من شعبان أو فضل الشفع والوتر أو العذاب الذي سيلحق المرأة إن لم ترتد الحجاب أو عذاب القبر أو الدعوة للتبرع لبناء مسجد جديد في قرية تشكو جميع أنواع الآفات والأمراض والفقر والجوع والخراب وهي أحوج ما تكون إلى بناء مستشفى أو مدرسة وهذا أيضا يدخل تحت بند تضخيم نصوص على حساب أخرى فالنصوص الأحادية غير المؤكدة أحيانا تتضخم ويتم التركيز عليها والخطبة فيها كل جمعة كما هي الأمثلة سالفة الذكر بينما لا يتم التركيز على مئات الآيات المؤكدة المتواترة التي تنهى عن النفاق والكذب والإزدواجية في التعامل بين القول والفعل وخداع الناس والظلم والإفتراء على الله ونصوص تدعو إلى العمل وإعمال العقل والعلم والقراءة والصلاح.

ماذا لو ركز الداعية أو خطيب الجمعة أو الإعلامي في القنوات الدينية على الزراعة وقول الرسول إذا قامت عليكم القيامة وفي يد أحدكم فسيل من زرع فليزرعه. هل كانت أرضنا بقيت صحراء جرداء واشتكت دول مثل الصومال والسودان من الجوع؟ ماذا لو ركز الداعية على حديث الرسول عن عدم رمي الزبالة في الطرقات والإهتمام بالنظافة كما يركزون على الحجاب واللباس هل كانت بقيت مدننا مضرب المثل لدى دول العالم في الوساخة والقاذورات وبالأخص الدول التي تعتبر معقلا للإخوان؟

ماذا لو ركز الداعية على حديث الرسول فضل العامل على العابد بألف درجة وحديث العمل عبادة هل كان بقي لدينا متسكعون على أبواب الجوامع وأناس يضيعون كل أوقاتهم في العبادات الشكلية وهم يشكون الفاقة والجوع؟

ماذا لو ركز خطيب الجمعة على الغش والخيانة هل كان سائق التاكسي الذي ركن سيارته أمام باب الجامع ودخل ليصلي يخرج بعدها ويكمل طريقه متلاعبا بالعداد؟

حقيقة لو ركزوا على أصول الدين ولم يوجهوا الشباب نحو الضلال والقتل والجهل والغزو والسبي لما رأينا الشباب المسلم في أوروبا يدوس على أجساد الناس بالشاحنات أو يسرق المحلات أو يبيع المخدرات على ناصية الطرقات.

التيارات الحزبية الإسلامية خلقت دينا على هواها واتبعته وضمرت نصوصا وضخمت أخرى ووعت الناس بما لا ينفعهم وعليه فإن الإصلاح الديني مشواره طويل وحركة التنوير معطلة سوى أفراد متناثرين هنا وهناك وليست عملا مؤسساتيا حقيقيا ذا برامج جادة وإذا نظرنا حولنا فسنجد ملايين الأشخاص قد حشت التيارات الإسلامية والدعاة وأئمة المساجد أدمغتهم بما لا ينفعهم ولا ينفع دولتهم ولا ينفع حضارتهم بل يسوقونهم إلى حتفهم الذي نتج عنه كل هذا التخلف والقتل والتدمير والخراب.

 

محمد حبش كنو

 
محمد حبش كنو
 
أرشيف الكاتب
الإسلام هل هو دين أم حزب؟
2017-06-19
المزيد

 
>>