First Published: 2017-06-22

المدارس الدولية والسيادة المصرية

 

هل من يرفض ابتزاز سفراء قوى أجنبية كبيرة يقبل بالرضوخ لمن هم أقل؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

المدارس الدولية موجودة في كثير من الدول العربية، وتحظى باهتمام ورعاية لما تقدمه من مستوى تعليمي متقدم، وفي مصر تخلط السياسة بالتجارة، وهو ما وضعها تحت بصر جهات كثيرة، بعضها يرضى عنها، والبعض الآخر يصب عليها غضبه، ويحملها مسئولية تدني مستوى التعليم، لأنها كشفت حقيقة ما يدور في المدارس الحكومية، التي يتراجع الإقبال عليها، لكنها قدمت صورة عن حجم التداخل في أحد أمور السيادة.

الطريقة التي تتعامل بها وزارة التربية والتعليم في مصر مع المدارس الدولية، تؤكد أن هناك نية لتصويب الحال المائل لها، ففي السنوات الماضية تحولت إلى إخطبوط يبتلع كل من يفكر في الاقتراب منه، وتزايدت المخالفات تدريجيا وتحولت إلى مدارس فوق القانون، يفعل أصحابها ما يحلو لهم دون اهتمام بحسيب أو رقيب.

النهم المادي تصاعدت حدته لدى البعض، بعد أن غرسوا عيونهم وأبدانهم في كثير من الجهات الرسمية، وكمموا أفواه من أسندت إليهم مهمة المراقبة، فالتزموا الصمت ولم ينتبهوا إلى صرخات كثير من الآباء والأمهات، وهي تضجر بالشكوى من عملية ابتزاز رخيصة ومساومة قبيحة على مصير التلاميذ.

طارق شوقي وزير التعليم الجديد، أكثر جرأة من سابقيه، فتح الملف الشائك الذي خشي غالبية من سبقوه الاقتراب منه، خوفا من النيران التي يمكن أن تصوب نحوهم، وبدأ عملية محاسبة جادة للمدارس التي ارتكبت مخالفات حقيقية، ووضع بعضها تحت الرقابة المالية والإدارية، وفشلت خطة أصحابها الخارجية في الضغط عليه وإجباره على التراجع عن تطبيق القانون وعدم محاسبة المخطئين.

نعم الخارجية، فقد استنجد كثير من أصحاب المدارس الدولية في مصر بسفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، وتصوروا أن تدخل سفير أو مسئول في هذه الدولة أو تلك سيكون كافيا لإبعاد هذه المدارس عن المساءلة، باعتبارها تابعة، ولو بطريقة غير مباشرة، لسفارات دول أجنبية، ونسوا أنها مدارس على أرض مصرية، يجب أن تحاسب وفقا للقانون المصري.

وزير التعليم تعامل مع المسألة بكياسة سياسية، عندما فاتحه سفراء بعض الدول الأجنبية في الوضع الجديد للمدارس الدولية، ولم ينحدر إلى المستنقع الذي نصبوه له ومحاولة جره إلى تفاصيل صغيرة لتبرير زيادة أسعار الالتحاق بعدد كبير من المدارس الدولية بصورة جنونية، بذريعة ارتفاع سعر الدولار، وأنها تدفع مرتبات المدرسين بالعملة الأميركية.

الدكتور طارق شوقي أقر نسبة زيادة منطقية تتواءم مع ارتفاع نسبة التضخم، وتسد جانب من الفجوة الناجمة عنه، لكنه لم يعبأ بالتهديد المبطن الذي حاول السفير الألماني توصيله إليه، وهي أنه ربما يرفع الأمر إلى حكومة بلاده ويتحول الموضوع برمته إلى قضية سياسية، خاصة أن موقف السفير جاء قبيل زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي لألمانيا أوائل شهر يونيو الجاري.

هنا لجأ الوزير إلى الرئيس واطلاعه على الموقف مباشرة، خوفا من أن تتسبب توجيهاته التعليمية في أزمة سياسية مع برلين، فقيل له ما يفيد المضي قدما في تطبيق القانون المصري على جميع المدارس، دولية أو غير دولية، ومحاسبة المخطئين دون النظر للعواقب السياسية، ومصر "ليست ضعيفة ولن تخضع لابتزاز من أي جهة أجنبية وسيادتها فوق كل اعتبار".

طريقة التهديد والاستقواء التي لجأ إليها بعض أصحاب المدارس الدولية ليست جديدة، فقد سبق موقف السفير الألماني واقعة أشد خطورة، حكاها مصدر مهم، عندما فرضت وزارة التربية والتعليم رقابتها على إحدى المدارس الدولية في مصر ويملكها مستثمر خليجي، وذهب الرجل لمسئول كبير مستنجدا به لرفع الإجراءات التي تطبقها عليه الوزارة جراء مخالفات مدارسه.

المستثمر خرج مذهولا فقد وجد ردا صادما، يفيد بأن القانون يطبق على الجميع، وعندما لوّح بسحب استثماراته الكبيرة من مصر، لم يجد استجابة أيضا، وذهب إلى حال سبيله، وبقي الوزير شوقي يواصل دوره في تنظيف واحدة من البؤر التعليمية الخطيرة، التي كانت (تقريبا) خارج سيطرة الوزارة.

ورغم المستوى التعليمي الجيد الذي تقدمه، غير أن البعض تعمد استثمار زيادة الإقبال على هذه المدارس مؤخرا، وحاول تكوين ثروة باهظة من خلال رفع رسوم القبول إلى معدلات فلكية، والنكوص على الوعود السابقة بشأن نسبة التخفيض لمن ألحقوا أبنائهم وقت إنشاء المدرسة أو ألحقوا ابنا ثانيا وثالثا بها.

المعطيات السابقة تكشف عن مجموعة من الدلالات المهمة، التي يحاول البعض المرور عليها دون التوقف عند معانيها العميقة، أو تجاهلها لأنها تنطوي على مؤشرات إيجابية، في وقت درج فيه الناس على النظر فقط للتصرفات السلبية، والإصغاء للشائعات التي يروجها البعض لأغراض سياسية.

الدلالة الأولى، أن من يريد العمل بجدية وشرف في مصر الطريق أمامه مفتوحا، شريطة أن يكون القانون هو الفيصل والحكم، وهناك شخصيات كثيرة مبهرة في مستويات وقطاعات مختلفة لا تقل أهمية عن نموذج الدكتور طارق شوقي، الذي يمتلك إرادة حديدية ونجح خلال فترة وجيزة في أن يحظى بشعبية كبيرة وهو على رأس وزارة لا تكاد تخلو أسرة مصرية من الاحتكاك بها أو التعامل معها.

الدلالة الثانية، أن قيادات كبيرة في الدولة تريد تطبيق القانون، على الكبير قبل الصغير، وثمة مواقف عديدة لا يعرفها كثيرون تؤكد هذا المعنى، لكن هناك من يرفضون التمعن فيها، ويتصيدون أخطاء بعض المسئولين وتضخيمها وتسويقها وتوظيفها على أنها تدليس أو تفريط في عدالة القانون.

الدلالة الثالثة، أن هناك اتجاها حقيقيا لتصويب أخطاء الماضي، وما يحدث مع المدارس الدولية علامة واضحة على النية لضبط كثير من الأمور المختلة، التي تحولت إلى عبء جسيم على عاتق الدولة المصرية، علاجها يحتاج إلى إرادة وعزيمة وحسم وصبر، متى توافرت تم حل الكثير من عقد السلسلة التي تحول دون المزيد من الانطلاق والتطوير.

مع ذلك هناك أسئلة تطرحها معادلة المدارس الدولية والسيادة المصرية، أهمها: هل من يرفض ابتزاز سفراء قوى أجنبية كبيرة يقبل بالرضوخ لمن هم أقل؟ وهل يقبل من يصر على تطبيق القانون عملية خرقه لمصلحة أي جهة؟ وهل من يمنح الصلاحيات الكاملة لوزير التعليم وممارسة دوره على أكمل وجه يسعى إلى الهيمنة والسيطرة على الحكومة؟ وهل من يتعامل مع بلده بحسبانها دولة تناطح قوى كبرى دفاعا عن كرامتها يقبل بالتخلي عن بقعة من أرضها؟

إنها أسئلة بسيطة الإجابة عليها، بعيدا عن الحسابات السياسية والمواقف الأيديولوجية والنعرات الثورية، كفيلة برفع الكثير من علامات الالتباس التي أصبحت تخيم على قضايا خطيرة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
المزيد

 
>>