First Published: 2017-06-23

هل يطيب العيش في الوقت الضائع؟

 

ثمة الكثير من العلامات السوداء في تاريخنا. ولكن انظروا إلى تاريخ من نرى فيهم اليوم وجوه الملائكة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: صباح علي الشاهر

قال سيد البلغاء: "كل آت قريب، وكل معدود إلى نفاذ".

يُقال أن ثيمة الموت تشغل بال كبار السن. لا أعتقد أن هذا صحيحاً. كانت أول مقالة لي منشورة في "كل شيء البغدادية" الإسبوعية قبل أكثر من نصف قرن عن الموت، الذي حيثما جاء، يكون مبكراً ومبكراً جداً. صحيح أنه لا وقت للموت، ولكن صحيح أيضاً أن كل الأوقات غير مناسبة لهذا الزائر.

وإذ تحدثت عن الموت فإني تغزلت بحبيتي التي تنام وتنثر شعرها الأشقر، حتى أني تمنيت أن أكون الوسادة لأحتضن أنفاسها.

هل كان شعرها أشقر بالفعل؟

يومها كانت الفتيات تضخم "البكلة"، بوضع المنديل بين ثناياها، فتبدو كطوبة الخس الزاهية، البكلة تندلق، متمردة على حواشي العباءة، مستقبلة خيوط شمس الضحى.

ما الذي يجمع الموت بالتغزل بالحبيبة؟ أمر لم أكن أفهمه ولعلي لن أفهمه.

ولماذا شعر حبيبتي أشقر، رغم أنه يقيناً لم يكن كذلك؟

كان الشعر الأشقر من مستلزمات إكتمال صورة الجمال الأنثوي، رغم أن الغالبية المطلقة من أشعار وأغاني المرحلة كانت عن السمراء، "سمراء يا حلم الطفولة"، "سمراء من قوم عيسى من أحل لها سفك...."، "أسمر ياسمراني"، "اسمر كحيل العين".

أيكون السبب ندرة الشعر الأشقر، ولكن هل ظل الشعر الأشقر نادراً مع شيوع صبغة الأوكسجين؟

أزعم أن "مترو جولدين ماير"، و"فوكس للقرن العشرين " هما من ربط الجمال الإنثوي بالشعر الأشقر، وربما بالعيون الزرق أو الخضر، وكانت أفلامهما هي النافذة التي نطل منها على العالم، ومنها كنا نستقي مفاهيمنا الأولى عن العالم البعيد.

كنا نسرح بإحلامنا الطفولية بمثالها الذي كانت تقدمه لنا أفلام الكاوبوي والويسترن الأميركية، فتاة صارخة الإنوثة، شقراء، ممشوقة القوام، مُلهمة للبطل، الذي كان يجترح المعجزات من أجلها. وكانت دائماً خلف البطل النادر، الذي بدونها لن تكتمل بطولته، أو أنها ستكون بلا معنى.

وكنا نصرخ بأعلى أصواتنا ونحن نرى الهندي الأحمر يقترب بسكينه من البطل، نصرخ مذعورين "جاك الوحش"، تهدأ أعصابنا عندما يقضي بطلنا على خصمه الوحش، وقتها لم نكن نفطن إلى أن بطلنا سيسلخ فروة رأس الوحش، ويضعها في جرابه، ليتقاضى عن كل واحدة مائة دولار من رئيس الدولة.

حولوا الهندي الأحمر إلى وحش، والجمال الإنثوي الكوني إلى مجرد شعر أشقر وعيون زرق أو خضر، وإبتدعوا شخصية فلاش كوردن الذي حكم الصين، ولا أدري لماذا لم يبتدعوا فلاش كوردنات أخرى، واحده لحكم الإتحاد السوفيتي، والثانية لحكم الهند، وبالتالي ستحكم أميركا العالم!.

وحكاية مارلين مونرو ملكة الإغراء بلا منازع ذات مغزى، لقد ظلت تطرق أبواب إستوديوهات هوليوود دونما جدوى، كان شعرها غير الأشقر، لا يوفر لها مستلزمات الجمال، فكان أن صبغت شعرها، فأضحت المثال المرغوب، وأنطلقت في عالم السينما، بحيث ملأت شهرتها الآفاق. ومارلين مونرو، هي هي، سواء كان شعرها أسود أم أشقر، لكنها لم تبرز مفاتنها، ولم تصبح ملكة الإغراء إلا بعد أن حولت لون شعرها إلى الأشقر.

قبل مارلين مونرو كان مكارثي قد أعلن مبدأه، أو قوانينه، بحيث زج في السجون بأهم أدباء وفناني أميركا، أمثال هيوارد فاست، وجون شتاينبك، والمؤلف المسرحي الكبير آرثر ميلر والذي سيصبح فيما بعد زوج مارلين مونرو، ولم يسلم حتى الممثل كيرك دوكلاس الذي لم تشفع له يهوديته، ربما لأنه مثل فلماً إسمه القرصان الأحمر، وربما لأنه مثل سبارتوكوس محرر العبيد.

لم تكن مواصفات الجمال الإنثوي هي وحدها التي لقنوها لنا تلقينا، وإنما حولوا عيسى من بلاد كنعان، وليد بيت لحم إلى أبيض أشقر مضغوط الأنف، وكأنه ولد في الدول الإسكندنافية، رسموه أزرق العينين. يُستثنى من هذا التعميم مسيح الأحباش الذين إلتزموا بما عرفوا، فيما بعد تفطنوا إلى سخافة التزييف، فعيسى لجميع البشر، جاء رحمة لهم وهداية، فأباحوا، أو أجبروا على القبول بأن يكون أسود الشعر، أو أجعده، وحتى أن يكون أسود اللون عندما أصبح عدد المسيحيين السود يضاهي عدد البيض. ونشأت الكنائس الزنجية التي أبدلت التراتيل بالرقص، وحولت الخطبة إلى أغاني بدل الإداء الكنسي الوقور.

وهنا ينبغي تسجيل الإحترام للكنيسة التي تراجعت عن الخطأ ولو بحكم الضرورة، ومثلما تساهلت الكنيسة وتخلت عن صورتها الحصرية للسيد المسيح، والتي إعتمدتها قروناً عديدة، تخلت هوليود على نمط المرحومة مارلين مونرو، ولم تعد تمانع بأن تكون البطلة سمراء كسلمى حايك أو خلاسية ذات جذور هندية، أو سوداء البشرة، وما عاد البطل ذاك الحليوة الأبيض، إذ يمكن أن يكون غير وسيم، وأقرب للدمامة أحياناُ، أسمر، أو أوسود، أو أبيض، أو آسيوي الملامح، أو صيني حتى، المهم أن يكون ضمن إطار مواصفات المرحلة، وأن يكون ضمن التوجهات العليا للسي آي أي والبنتاغون، وأن يكون سببب تفوقه أو تفوقها أنخراطه أو إنخراطها في أجهزة المخابرات المتعددة، وهي الأجهزة المنتصرة دوماً.

وقبل مغادرة هذه التفصيلة عن حصرية الجمال الإنثوي التي أقحمت نفسها علينا بحكم الربط مبكراً بين الحب والموت، ندعوكم للتفكير كثيراً والتأمل في الحملة التي تشنها بعض الإقلام عن ثقافتنا العقيمة الميتة، ومثقفينا الذين لا يفقهون شيئاً، ولا يستمرئون إلا أن يكونوا عبيداً، وأمتنا المتخلفة التي لم تنتج شيئاً يخدم البشرية، والتي كانت وما زالت عوالة على إنجازات الآخرين، وديننا الذي لم ينتشر إلا بالسيف، وإستعمالنا للسيف رمزاً، وهو أداة قتل، وكأن الآخرين، كانوا يتراشقون بالورود عندما يحارب بعضهم بعضاً.. والسخرية من الهلال كرمز، رغم أن الصليب يشكل أغلب الأعلام الأوروبية، وحتى رمز النازية كان صليباً معقوفاً، وقد قيض لي زيارة بعض سجون الأمس الأوروبية، فهالني ما رأيت من وسائل بشعة للتعذيب، بحيث عرفت مؤخراً لماذا يرسل الأمنيون العرب رجال أمنهم للتدريب في ألمانيا وبقية الدول الأوروبية.

بدت لي وسيلة قطع الرأس أرحم ألف مرة من هذه الوسائل التعذيبية التي لا تخطر ببال الشيطان، ومع هذا وذاك فوسيلة قطع الرأس ليست عادة عربية أو إسلامية حصراً، لقد فعلتها الأقوام قبل العرب والمسلمين وبعدهم، وما زالت تستعملها رغم بشاعتها، ورغم أني ضد عقوبة الحكم بالموت قطعاً. لكنني مثلاً لا أعتقد أن الموت صعقاً على الكرسي الكهربائي الأميركي أقل إيلاما من قطع الرأس، ولا الجلوس على قازوق عثماني بحيث يخرج في النهاية من فم المعدوم أكثر إنسانية ورحمة، ولا تسلية الأباطرة الرومانيين بلحم الكلاديتر الذي تنهشه الوحوش الضارية وهم يتمايلون طرباً بأقل بشاعة من لعبة صراع الديكة البشعة غاية البشاعة بالنسبة لأنصار حقوق الحيوان آخر زمان، ولا قتل الثور الأعزل بالحراب وسط تهليل وصراخ المشاهدين بأقل مأساوية من الديك المُدمى في منازلة صراع الديكة. وإذا وجد في تأريخنا الغابر ممارسات إجرامية تم فيها حرق، أو طمر المخالفين للحاكم المستبد، وغالباً يكون هؤلاء من النخب التي يخشى من تأثيرها على عوام الناس، فإن حاكماً أوروبياً في القرن العشرين، وصل الحكم عن طريق صناديق الإقتراع، قد حرق آلاف الناس، كباراً وصغاراً، وجلهم لا يشكلون خطراً على حكمه، بل بسبب كونهم ينتمون لدين أو عقيدة ما في أفران خصصت لحرق البشر، أو لكونهم من جنس آخر، يتوهم أنهم أقل شأنا من جنسه الآري النقي!

أوردت هذه الأمثلة، وهناك غيرها كثير لأشير إلى سطحية دعوة البعض لإحتقار أنفسنا، وتاريخنا وأمتنا، بإقتناص شذرات تأريخ كانت وما زالت مُدانة، لتكريس الشعور بالدونية والتخلف، وإغفال الحقائق الواضحة التي تبين أن ما جرى في ثنايا تاريخنا، جرى أكثر منه في تاريخ غيرنا، ليس البعيد، بل القريب جداً. لن يهزم الإنسان بشكل مطلق إلا في حالة واحدة، عندما يشعر بالعار من نفسه وتأريخه وأمته، عندها سيغيّر جلده، وسينهزم تماماً.

 

صباح علي الشاهر

 
صباح علي الشاهر
 
أرشيف الكاتب
هل يطيب العيش في الوقت الضائع؟
2017-06-23
النضال ضد الجهل أهم من النضال الطبقي
2017-06-05
ولاية الفقيه والخلافة والضائع بينهما
2017-05-11
حكومة تستقيل من مهامها لا لزوم لها
2017-05-02
كيف تحول الذين لا قاعدة جماهيرية لهم إلى فرسان صناديق الإقتراعات؟
2017-03-21
مساهمة للبحث في جذور الكارثة في العراق
2017-03-09
هل ثمة إمكانية بأن يخرجوا على النص؟
2017-02-18
هذيان ترامب إلى أين سيقود العالم؟
2017-02-06
تفكيك المفكك: حول المربد ومهرجانات الثقافة وجلد الذات غير المبرر
2017-02-04
ترامب رجل المال والأعمال رئيساً للولايات المتحدة
2017-01-12
المزيد

 
>>