First Published: 2017-06-26

حكايات الحب الاول في 'إيقاعات من جرانيت'

 

الكاتبة إيمان الزيات تنجح في خلق حالة من حالات التشابك الفكري والثقافي الذي تولد بين فئات غير متجانسة اجتماعيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: ياسمين السيد

ذكريات جميلة مع شرفة القمر

"علي شرفة الوجد أقف، وأكتب للمجهول، فهل في ذالك حماقة؟" تلك هي افتتاحية الكاتبة والمبدعة إيمان الزيات" في مجموعتها القصصية "إيقاعات من جرانيت" الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، في حوالي 100 صفحة، وتحتوي على 15 قصة متنوعة الرؤي والتشابك في أسلوب إبداعي راق يأخذنا الي عتبات الماضي وتحدثنا في البداية عن "عمارات النصر" وما تحتويها في مكنونها الداخلي من ذكريات طفولية مازالت محفورة بشكل أخدودي بداخل عالمها الفكر وتركيبها الوجداني. وتناولت بعبقرية فائقة زوايا الرؤيا لتلك العمارات.

في البداية تحدثنا عن تلك الذكريات الجميلة لها مع "شرفة القمر" حيث كانت تلك النافذة القمرية تحل كل مساء عليها هي وأمها بالاستمتاع بالقهوة التي تصر على إعدادها لأمها التي تسرح بخيال واسع مع أغاني أم كلثوم، مثلها مثل كل الشعب المصري والعربي الذي انتقي تلك الجمل الموسيقية الرائعة وتماثل معها في أداء لا شعوري بصحبة تلك الأشعة القمرية التي تهرب مع نسمة بحرية تحرك تلك الستائر الخفيفة، فيأتي إليها النوم بأسراره وأحلامه في صورة إبداعية حيث نجحت الكاتبة في رسم صور رائعة لتكون تلك العتبة هي بداية انطلاق إلى عالم عمارات النصر لنبحر معها في مدخل آخر تحت عنوان "عمارات النصر" حيث التناسل الاجتماعي والصراع الديمغرافي بين من يسكن داخل تلك العمارات وتلك الطبقات الطفيلية التي فرضت نفسها في تلك الاماكن المهجورة التي كانت تمثل منفذا لسكان تلك العمائر التي بنيت بشكل هندسي لأغراض خاصة تمثل الحماية لسكانها وقت السلم ووقت الحرب، إلا أن قاطني تلك العمارات لم يستوعبوا تلك المزايا في هذا التصميم الهندسي البديع.

نجحت الكاتبة في خلق حالة من حالات التشابك الفكري والثقافي الذي تولد بين تلك الفئات غير المتجانسة اجتماعيا ومحاولة استغلال كل منهما الآخر بشكل عفوي أو سلمي من خلال تلك المتاجر التي حلّت عفويا بتلك المناطق المجهولة لسكان العمائر.

وفي عصر الانفتاح حاولت الدولة التدخل لفض هذا الاشتباك المجتمعي الذي تحول الي العنف في وقت من الأوقات، فكانت عاجزة عن فعل أي شيء سوى بناء هذا السور الذي كان يمثل عنوانا سيئا للدولة، فهي لم ترتق بهذا أو ذاك ويصل الصراع على أشده اجتماعيا حتى يحل جيل محل جيل سابق متوارث تلك المفاهيم العنصرية بين من يعيش داخل أو خارج هذا السور المقيت، الذي ترك الأثر السيئ في عقبة الكاتبة فوقفت على عتبة الزمن تحاكيه في أسلوب سردي بديع.

وتنتقل بنا الكاتبة في أسلوب سلس دون أن نشعر الى عتبة أخرى حيث تأخذنا في نوبة شجن عن قسم المنتزة، وما يدور فيه، ومدى الأثر النفسي الذي تركه فيها لأنها كانت محبة للشعر وتمتلك إحساسا مرهفا، وكم هامت حبا وسموا بذالك الشاب الذي بادلها الكثير من الإحساس والمشاعر رغم أن هذا الحبيب ظل لها مجهولا، مجرد خيال في قصائدها الشعرية من خلال نافذتها التي تطل على الشارع العمومي، وكانت تمثل لها إطلالة على حبيب سوف يأتي، حتي جاء "نبيل"، ليأخذها الى عالم الوجود، ولأنهما يمتلكان حسا مرهفا كانت قسوة ما يدور داخل هذا القسم خصوصا "حجز التحري" صدمة وجدانية عاصفة ظلت حتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير حين علمت أن هذا الضابط قُتل على يد الضحايا التي انكسرت أرواحهم داخل ملابسهم من جراءة ما حدث لهم في هذا القسم، وكان هذا التناقض فيما كانت تحلم به كشاعرة وما تراه على أرض الواقع إضافة جمالية لتلك القصة التي تمثل انطلاقا إلى التأمل والتذكر ما بين البداية والنهاية.

وتستمر الكاتبة إيمان الزيات فترسم ملامح تلك البيئة الجغرافية وما يدور فيها من مشاغبات ومراهقات الشباب والبنات حتى الكبار حيث جارهم الذي كان يترقب أمها حين تخرج لغلق الشرفة، وكيف كانت هائمة بذالك الفتى الطائر حين كان يحرز أهدافا في الدورات الرمضانية معلنا أن هذا الهدف هو إهداء إلى حبيبة قلبه فقط فكانت تكتفي بالابتسامة والتنهد مع كل نظرة خاطفة منه.

وتبلغ الاثارة ذروتها في تلك المربعات الثلاثة الأخيرة من تلك العتبة الأولي "عائلة بوسي- الروك – الرسالة" لتحلق بنا في منافسة عاطفية بينها وبين بوسي التي لا تمتلك من التعليم أي شيء ولا من الجمال رونقها وكدالك ممدوح السوهاجي الذي يمتلك جسدا صلب وقامة قصيرة لم ترق لها في يوم من الأيام وهيامه بها في كل تحركاته رغم علمه بأنها تبادل صديقه نبيل مشاعر خاصة حيث كان تعثره في الثانوية العامة بداية تحطم أحلامه.

تأتي الكاتبة في نهاية تلك المربعات الحياتية للبطلة لتقلب كل موازين الحدث الدرامي بسبب تلك الرسالة التي وضعها نبيل في يدها إلا أن القدر وحده أرسل اليهم "أم بوسي" لتصنع من الحدث وشاية كبيرة أخفضت راس أمها المرتفعة في العمارة وتنكسر كل أحلامها بالفوز بـ "نبيل" وتنتهي بها الأيام بالزواج من "ممدوح" الذي لم يكن يوما حبيبا لها بعد فرار "نبيل" إلى زوجة لم تعش أبدا بداخله رغم إنجابه منها خمسة أولاد.

وفي إطلالتها الثانية في هذه المجموعة القصصية تأخذنا الكاتبة الى إطار من الفكر الفلسفي والخيال العقلي من خلال عنوانها "إيقاعات من الجرانيت" لتؤكد لنا أن المخزون النفسي والعقلي الذي حفر في الصغر من المستحيل خروجه من هذا الجسد وأنه يحاول الخروج إلى المشارف الحياتية في صوره المتعددة، إما عفويا كما نرى في المربع الاول "اغماضة" حيث ينجلي النور الروحاني لحبه الأول وهو في أحضان زوجته وينام علي صدرها مما أصابها بالوجع والمرار الا انها تحاول ان تلتمس له ألف عذر فهي كذلك لديها ذالك المخزون العاطفي والوجداني لشخص آخر غائب عن جسدها، لكنه يسكن قلبها، وكم من مرة حاولت فتح باب الذكريات والتعايش معها الا انها كانت تهرب الى واقعها الحالي والتعايش معها رغم وجعها وانكساراتها الروحية، وفضلت أن يظل هذا الباب مغلقا للأبد تحت عنوان "وتركته مغلقا".

وتتجلي إثارتها المجتمعية في المربع الأخير وهو بعنوان "عزيز" الذي يمثل حالة من حالات الإفصاح المعنوي عما كان يدور في الخفاء بعيدا عن الظواهر عندما صرخت زوجة صديقه حين توفي بكلمة "يا عزيز عيني" وكانت تلك الصرخة مدوية في نفسه وروحه لما لهذا الصديق من مكانه في عقله ووجدانه في شئون حياته، رغم ما يحمله من حب وعشق لتلك الزوجة الصارخة، وظن أن الأيام قد تمنح هذا الحب فرصة للطفو إلى علياء القلوب بعد الرحيل إلا أن تلك النظرة الصادمة للزوجة المكلومة له كانت لها معاني أخرى، في تلك اللحظة أحس أن ظهره أصبح عاريا، وكاد يصرخ للجميع أنه لم يكن خائنا لذالك العزيز الذي رحل بل هو من تزوج بحبيبته في يوم ما؟

 

منظمات دولية تتهم الجيش اللبناني بتعذيب لاجئين سوريين حتى الموت

قطر أبعد ما تكون عن الخروج من ورطتها

العبادي يستبق نهاية المعركة لتهنئة العراقيين بـ\'الانتصار الكبير\'

بوتفليقة يطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية

قذيفة مجهولة تنمي فوضى الاقتتال في العاصمة الليبية

انتهت مناورات قطر وحان وقت الرد الخليجي الحاسم


 
>>