First Published: 2017-06-26

القومية الثقافية 'اليهودية': نموذج تفسيري جديد

 

فلسطين لم تكن مغلقة أمام يهود العالم طوال 2000 سنة، ولكنهم كانوا يريدون العودة لها وفق قوميتهم الثقافية المتخيلة، كجنس أعلى متفوق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. حاتم الجوهري

محددات 'القومية الثقافية' هي العنصر الحاكم لهم

• نموذج الجماعات الوظيفية للمسيري

قدم الدكتور عبدالوهاب المسيري مقاربته عن الجماعات اليهودية عبر التاريخ، وليس عن جماعة يهودية واحدة، وتحدث عن السياق التاريخي ومنطق وجود كل جماعة منها داخل الأمم المختلفة وضرورة أن يكون لذلك دور ووظيفة تقبله - بطبيعة الحال - الأمة التي تقبل بوجود الجماعة اليهودية داخل نسيجها، في مشابهة لمنطق وجود الأقليات المتمايزة غير القابلة للذوبان عبر التاريخ داخل الأمم كالغجر الرحالة مثلا.. معتبرا أن فكرة الجماعة الوظيفية هي المدخل التاريخي المفسر للوجود اليهودي عبر التاريخ.

كما أن تصور الجماعات اليهودية، تم استخدامه للرد على فكرة الحق التاريخي لبني إسرائيل أو اليهود في فلسطين، من حيث إن العرق المنتسب لنبي الله يعقوب (إسرائيل) تعرض للاختلاط والشتات مع باقي الأمم، بما ينفي وجود مبرر عرقي لكي يرث يهود اليوم الحق التاريخي لجماعة بني إسرائيل أو اليهود في فلسطين أو الوعد الديني لهم.

• نقد النموذج الوظيفي

ولكن ذلك المدخل أقرب للتفسيرات الواقعية أو المادية للتاريخ، وفق دور كل جماعة أو فرد في منظومة الإنتاج وتوزيع الخدمات السيادية لكل أمة أو دولة أو سلطة ما.

والحقيقة أن التفسير المادي للتاريخ أمر حقيقي وواقعي، ولكنه في أحيان كثيرة يهمل دور القوى الثقافية أو الروحية أو عوامل الهوية المختلفة ودورها في التاريخ وتحريك الجماعات وتدافع الدول والأمم والظاهرة الإنسانية ككل.

التفسير المادي هو أحد جوانب الوجود البشري، ولكن عيبه أنه يلغي تماما جانب الهوية والاختيارات الروحية والثقافية والدينية للبشر، في حين أن التفسير الديني يعترف بوجود الجانب المادي والنفعي، وصراعه مع القيم والمثل ومحددات الهوية داخل الإنسان باستمرار..!

• شروط القومية الواقعية

ونجد أن مفهوم القومية يشترط واقعيا وجود عدة عوامل في جماعة ما حتى نصفها بالجماعة القومية منها: الأرض المشتركة، اللغة المشتركة، العرق الواحد، الدين الواحد، التاريخ المشترك، وإذا طبقنا كل العوامل السابقة على اليهود منذ شتاتهم الأخير من فلسطين منذ حوالي 2000 سنة، سنجد أن أشهر عوامل القومية وتحققها المادي: الأرض، اللغة، العرق.. لا تتوفر في الحالة اليهودية! بما يجعلنا نتجه للبحث عن نموذج معرفي آخر لتفسير السلوك اليهودي عبر التاريخ وعدم ذوبانهم في الأمم التي عاشوا داخلها، وفي الوقت نفسه لتفسير غواية النموذج الصهيوني عن القومية اليهودية الضائعة، الذي جذب يهود العالم إليه!

• "القومية الثقافية" نموذج تفسيري جديد

أعتقد أننا سنستخدم مفهوم "القومية الثقافية" المتخيلة والغائبة لدى الجماعات اليهودية المختلفة؛ عبر التاريخ، كوتر استطاعت الصهيونية بمختلف تياراتها اللعب عليه، القومية الثقافية هي مجموعة المقومات غير المادية التي قد تحافظ بها جماعة ما على وجودها المتخيل المشترك، عن طريق التوارث والتلقين الشفوي من جيل لجيل، وهذه القومية الثقافية المتخيلة تتحدى غياب الشروط "الموضوعية" للقومية، وتمثل اختيارا "ذاتيا" محضا، هي أقوى تمثل لحضور فكرة اختيارات الهوية وأثرها في الوجود البشري، والحالة اليهودية تعد من أقوى النماذج على حضور الميراث غير المادي للقومية أو ما يمكن تسميته بـ "القومية الثقافية".

• القومية الثقافية تفسر القومية الوظيفية عند المسيري

بل إن "القومية الثقافية" هذه هي التي يمكن أن تكون أصل النموذج التفسيري الذى قدمه المسيري بفكرة "القومية الوظيفية" أو "الجماعة الوظيفية". بمعنى أنها التي جعلت الجماعات اليهودية عبر التاريخ تقبل بأدوار معينة؛ من أجل الحفاظ على وجودها المتخيل، انتظارا للحظة تحققه على أرض الواقع بالشكل الذي تعتقد فيه! فالذي جعل الجماعات اليهودية تتحول لجماعة وظيفية هو رغبتها في البقاء ككتلة لها سماتها المتمايزة، والذى يفصل مثلا بين وجود الجماعات اليهودية عبر التاريخ، ووجود جماعات الغجر، هو مركز لب فكرة "القومية الثقافية" عند كل جماعة منهم.

القومية الثقافية للجماعات اليهودية، تقوم على فكرة التفوق والتعالي والاصطفاء، في حين لا تحضر مثل هذه الفكرة عند جماعات الغجر، والدليل أن بقايا الغجر في بلدان العالم تنصلت من جذورها، وعندما تجاوز التاريخ ما كانت تقوم به من أعمال وظيفية هامشية للتسلية تقوم على الترحال وتقديم ألعاب السحر والأكروبات والغرائب والسيرك، تنكرت معظم تلك العائلات لجذورها الغجرية وذابت في البوتقة الحضارية الأوسع للأمة التي تعيش بداخلها، كجماعات الغجر التي كانت تعيش في مصر في قري ومراكز الدلتا، وتخلت تماما عن هويتها وقوميتها الثقافية الموروثة الآن.

• القومية الثقافية اليهودية مخزن الأيديولوجيات الصهيونية

المختلف في "القومية الثقافية" اليهودية أنها كانت الأصل والرباط القوي، وليس الدور الوظيفي. الدور الوظيفي كان مجرد غطاء للحفاظ على وجود الجماعة، عكس القومية الثقافية للغجر في مصر مثلا، التي تحللت حين ضاع دورها الوظيفي!

فالقومية الثقافية اليهودية باختياراتها الروحية والمتخيلة، شكلت وحكمت سلوك الجماعة اليهودية الوظيفي من أجل الحفاظ على بقائها ووجودها انتظارا للحظة تحقق واستعادة القومية الثقافية اليهودية لوجودها وتمثلها المادي والواقعي، وهو الذي نجحت في فعله الصهيونية، ففلسطين لم تكن مغلقة أمام يهود العالم طوال 2000 سنة، ولكنهم كانوا يريدون العودة لها وفق قوميتهم الثقافية المتخيلة، كجنس أعلى متفوق يحوز على السيادة والسيطرة على شعوب المنطقة، كما كان قديما؛ وسوف تجد ذلك في كل الأيديولوجيات الصهيونية من أقصى اليمين لأقصي اليسار، ففي أقصى اليسار الصهيوني الماركسي ستجد الصهيوني هو نموذج الرجل التقدمي القادم للشرق المتخلف ليمنحه الوعي والثقافة بالصراع الطبقي وليتحول لطليعة له، تقوده نحو النضال الأممي بعد إعلان الدولة الصهيونية، التي تجمع الطليعة اليهودية والشغيلة العرب الفلسطينيين (وفق أيدولوجيا الصهيونية الماركسية عند بيير بيرخوف)، وفي أقصي اليمين الصهيوني الديني تحضر فكرة شعب الله المختار الذى سيرث الأرض الموعودة من كل شعوب المنطقة الأقل (الأغيار).

* القومية الثقافية اليهودية في مقابل التوحد مع المطلق في الإسلام والمسيحية

"القومية الثقافية" اليهودية، تتميز بعنصر مركزي واضح يفصلها عن الثقافة المسيحية والإسلامية كذلك، وهو فكرة التفوق العرقي، واعتبار الديانة اليهودية ديانة عرقية مغلقة تخص بني إسرائيل.

"القومية الثقافية" اليهودية لا يوجد مثيل لها في الإسلام أو المسيحية، يوجد في الإسلام والمسيحية بعض المذاهب التي قد تمثل ما يمكن أن نسميه "ثقافة التوحد مع المطلق"، فتدعي أنها تمثل صحيح الدين وأنها سيف الله في الأرض من حقها أن تحاكم الناس، ولكن جوهر الاصطفاء هنا هو فرز ديني وتعالي معرفي من بعض أتباع ومفسري الدين المسيحي والإسلامي، وليس فكرة اصطفاء لجماعة قومية بأكملها وفرز عرقي.

اليهودية تتعالى على العالم كجماعة قومية تملك حقا إلهيا دينيا! هو الذي حافظ على وجودها وعلى ثقافتها القومية المتخيلة والغائبة عبر سنين طوال، كاختيار واعتقاد غير مادي بهويتها وحقيقة وجودها في العالم.

إن العرق عند اليهود ليس مجرد صفاء جنسي وعرقي إنما هو في الأساس تقاليد موروثة ومختارة، القومية اليهودية الثقافية هي اختيار متخيل وحقيقي وروحي وإن لم يكن بالشكل المعتاد للقوميات التاريخية بمقوماتها المادية والواقعية.

* "القومية الثقافية" اليهودية في مواجهة سارتر وماركس والمسيري

في ردي على أطروحة سارتر في كتابه الذى ترجمته عام 2015 للعربية للمرة الأولي بعد سبعين عاما من حجبه: "تأملات في المسألة اليهودية" والذي حصل مؤخرا على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (بمصر)، قمت بطرح بذور فكرة القومية الثقافية المتخيلة لليهود كمحرك عبر التاريخ، ردا على تصور سارتر للوجود اليهودي ونموذجه التفسيري القائم على شعب مسلوب الإرادة والخيارات، لا يمنحه سماته المميزة إلا اضطهاد العالم له، ولكن الفكرة تبلورت في ذهني الآن أكثر، وهي في حاجة للمزيد من البحث والرصد المتعمق مني.

وأهميتها تكمن في انها ستعطينا نموذجا أكثر شمولية لتفسير الوجود التاريخي اليهودي وتمثله الصهيوني الآني، أكثر شمولية من نموذج الجماعات الوظيفية عند المسيري، والبنية الطبقية عند ماركس وبيير بيرخوف مؤسس الصهيونية الماركسية، وشخصية السلب الوجودي عند سارتر، وستجعلنا كعرب نفهم جذر الشخصية اليهودية التي نتعامل معها (واليهودية هنا بمفهوم الوعاء الثقافي الأشمل)، فـ "الثقافة القومية" اليهودية ستظل هي المركز وستظل مصاحبة للوجود اليهودي في العالم، حتي لو خرج اليهود من أرض العرب مجددا وانهار مشروعهم الصهيوني في وجوده "الذاتي" وفقا للقومية الثقافية المخيلة، وفي وجوده "الموضوعي" المادي الوظيفي كوكيل للوجود الغربي في الشرق، فستظل محددات "القومية الثقافية" هي العنصر الحاكم لهم، والذى يجعلهم يقبلون من الاختيارات والوظائف ما يحافظ على هذا الوجود المميز لهم.

 

د. حاتم الجوهري

 
د. حاتم الجوهري
 
أرشيف الكاتب
سارتر والصهيونية: الفلسفة بين النظرية والتطبيق
2017-07-02
القومية الثقافية 'اليهودية': نموذج تفسيري جديد
2017-06-26
أفول الأمم: الجغرافيا الجيولوجية والجغرافيا السياسية
2017-06-16
الخيال بين رامز وألف ليلة وليلة
2017-06-09
مصر: أزمة الصحافة الثقافية وقواعد العمل العام
2017-06-08
أزمة ما بعد الحداثة العربية: زيدان وصلاح الدين
2017-05-18
المزيد

 
>>