First Published: 2017-06-26

إنها مقبرة .. أيتها السّيدة

 

البيت كان صامتاً وشجيرات الكرز في حديقة البيت صامتة هي الأخرى، جلست في الصالةَ وأحضرت السيدةُ لي قهوة وقنينة ماء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: قيس مجيد المولى

عثمان وضع للهدية وصية ووضع للشاهدة هذه المفردات

عندما هبطتُ مطار إسطنبول كان شاغلي الوحيد أن أحافظ على الهدية التي جلبتها لصديقي عثمان أوغلو، مثلما حافظت عليها عند شرائها من سوق الأنتيكات حتى صعودي طائرة الخطوط الجوية العراقية الرحلة 810 المتوجهة الى إسطنبول في العام 1993.

ذات سنة قصصت على صديقي أوغلو بعض القصص الشخصية، وذكرت له بعض الأماكن التي احتوتها هذه القصص، وكان جل تركيزي على شارع النهر من جسر الأحرار حتى جسر الشهداء، ولا بد ضمن الحديث أن أتناولَ ذكرياتي في هذا الشارع وأهم محطاته بدءا من شريف وحداد والمسافة ما بين غرفة تجارة بغداد والبنك المركزي الى شارع السمؤال وسوق دانيال وسوق التُحف والسجاد وصولا الى المدرسة المستنصرية التي تنتهي بالقرب من رقبة الجسر.

أنا شخصيا لا تفسير لدي من أن الذكريات لا تغادر أماكنها، لا أدري لم هي باقية بقاءً خالدا لا تزحزحها حقائق ولا تُغير عليها صروف الدهر. المهم كان إنشطاري نحو الحياة قد بدأ من ذكرياتي في شارع النهر، يوميا ترتفع يدي عبر هذا الشارع بالسلام على رياضيين وأدباء وفنانيين ومنشدات من فرقة الإنشاد العراقي وباعة متجولين وعارضات أزياء ومختلف شرائح المجتمع.

كان شارع النهر بالنسبة لي مجتمعي الذي أرسم من خلاله إفتراضات الحياة المستقبلية وعليه أُسس لحقب زمنية بعيدة كانت أم قريبة وسط اعتقاد بأبدية الحياة ونرجسيتها، ولا يمكن أن أتصور يوما أن هذا المكان سيندثر من تلك المشاعر الفريدة التي يحملها سالكوه.

المهم إشتريت لعثمان أوغلو هديته والتي لَمَح لي في تلك الجلسة التي كنا نتناول بها النبيذ الأحمر في إحدى حانات تَقسيم حين سألني عن النخيل والتمر متمنيا أن يرى في داره نخلة عراقية مجسمة يضعها أمام ناظريه. قطعا وقتها وعدته بذلك بطرف عين.

بعد هبوط الطائرة في مطار أتاتورك حملتها برفق كانت نخلة جذعها من الخشب المطعم بالعاج وثمارها من الفضة استقرت على قاطع حديدي، وأحيطت ببيت زجاجي مستطيل الشكل، حين صعدت المترو كانت نيتي أن أتجه الى حيث مقامي في أقصراي أي بعد 17 محطة يتوقف عندها المترو، وما أن إجتاز المحطات الأولى والثانية والثالثة وعند وصول المترو الى محطة داود باشا وخوفا على هديتي وجدت من المناسب أن لا أصل أقصراي، لذلك قررت الهبوط من المترو عند محطة بيرم باشا حيث منزل صديقي عثمان أوغلو، وخصوصا أن أوغلو لا يغادر بيته في وقت الظهيرة.

طرقت باب الدار بيد وأنا أشد باليد الثانية على الهدية، بالمقبض الحديدي أعدت الطرق على الباب، تنحنح من داخل الدار، صوت ليس بصوت عثمان، وما هي إلا لحظات وفُتحَ خيط من الباب وسمعت صوتا (تفضل أفندم)، أخبرت صاحبة الصوت بأني صديقٌ لعثمان أوغلو، بادرتني وبلغة عربية ركيكة (العراقي) قلت: نعم. قالت: تفضل أفندم.

فُتح الباب على مصراعيه ورأيت حال دخولي أولادا ثلاثة يتقافزون خلف ديك رومي، أسرعت وأمرتهم السيدة أن يتوقفوا ويسلموا على الضيف، مرة أخرى شددت الهدية على صدري واحتضنتها باليد اليسرى وتركت اليمنى طليقة لمصافحة ومداعبة الأطفال الثلاثة.

كان البيت صامتاً وشجيرات الكرز في حديقة البيت صامتة هي الأخرى، جلست في الصالةَ وأحضرت السيدةُ لي قهوة وقنينة ماء، ولأن الإرهاق من حمل الهدية والخوف عليها أخذ مني مأخذه بدأتُ الحديث بهديتي لعثمان وأشرت للسيدة عليها، تفحصتها وأعادت تفحصها وأسرعت لإستبدال ثيابها، وقبل ذلك أخبرتني بأن عثمان في إنتظاري في مكان ما.

سررت أن عثمان بــ إنتظاري كوني وبالفعل بشوق بالغ لإعادة جلساتنا في حانات تقسيم وشرب النبيذ الأحمر وتبادل ذكرياتنا بين كأس وكأس، رغم اعتراض السيدة -التي عرَفتُ لاحقا أنها زوجة عثمان أوغلو - الذهاب بسيارة تاكسي الى حيث زوجها عثمان، لكني رجوتها أن نركب التاكسي بدلا من الباص لأن لدي أشياء أود إنجازها قبل حلول الظلام.

المهم سألني سائق التاكسي إلى أين؟ التفتُ الى السيدة وأخبرَتهُ الوجهةَ محلة أبو أيوب الأنصاري، المحلة التي تقع في ضواحي إسطنبول، مرة أخرى بعناية وبتركيز وضعت الهدية بين ساقيَّ وأطمان قلبي بل وشعرت أنها نهاية رحلتها وستكون هديتي بين يدي عثمان.

بعد ما يقارب من 20 دقيقة وصلنا الى أبي أيوب الأنصاري وكلما تقدمنا خطوة أشاهد السيدة تزدانُ صمتا، دخلنا من أحد الأبواب الكبيرة مكانا لا أعرفه وما أن سرنا أمتارا قلائل حتى بدأت ملامح المكان تتضح لي وهنا وبدون إرادتي صرخت بالسيدة إنها مقبرة، مقبرة أيتها السيدة.

صَمتَ كلانا بل وتهيأ لي أن الهدية شاركتنا هذا الصمت، بعد ذلك قلت لنفسي ليس من اللياقة أن أطرح أسئلةً وأنا في مقبرة، وأنا الذي صرخت إنها مقبرة أيتها السيدة، وصلنا الى أحد القبور ووقفت السيدة قبالته وأشارت إلي دون أن تتكلم قرأتُ بالتركية بعضَ المفردات على الشاهدة وأنتقلت من ذهولي الى دموعي ولم أسالها متى لأن التاريخ على الشاهدة وضح كل شيء، وبدون إرادة مني ناولتها الهدية ونادت على حفار القبور وأخبرته أن يفعل مثلما أراد عثمان أوغلو في وصيته.

رفع من جانب قبر عثمان بلاطة شبيهة بحجر الأساس الذي يوضع عند البدء بتنفيذ مشروع ما وأدخل الهدية وأبقى سعفها خارج الحفرة ورتب لها بلاطة جديدة وشاهدة أوصى صديقي أوغلو أن تكتب عليها "من صديقي العراقي .. شكرا لك وللشفيعة المباركة".

لم أصدق أن عثمان وضع للهدية وصية ووضع للشاهدة هذه المفردات، هكذا دفن عثمان أوغلو وجواره النخلة المقدسة والتي سترعاه حين ينام وتباركه في الأعياد وتكون مأدبته إن ألم به الجوع.

صافحت السيدة عند الباب ونظرنا إلى السماء أن تتعاطف ونخلة عثمان أوغلو التي اتضح لي بأنها ستكمل مسيرة حياته، مذ تلك السنة وفي اليوم الذي يصادف ذات اليوم أصبحت مناسكي حين أتي لأسطنبول وأستقل المترو من مطار أتاتورك أهبط في محطة بيرم باشا وأقف هناك دقائق، ثم أعود مع مترو آخر الى أقصراي ومن أقصراي الى مقبرة أبي أيوب الأنصاري أطمئن على ضريح عثمان أوغلو وعلى سعف النخلة وشاهدتها، ثم أعود الى إحدى حانات تقسيم وأمامي كأسان وقنينة من النبيذ الأحمر.

 

منظمات دولية تتهم الجيش اللبناني بتعذيب لاجئين سوريين حتى الموت

قطر أبعد ما تكون عن الخروج من ورطتها

العبادي يستبق نهاية المعركة لتهنئة العراقيين بـ\'الانتصار الكبير\'

بوتفليقة يطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية

قذيفة مجهولة تنمي فوضى الاقتتال في العاصمة الليبية

انتهت مناورات قطر وحان وقت الرد الخليجي الحاسم


 
>>