First Published: 2017-06-27

مؤامرة اسمها العراق... الدولة التي ستشيع الى مثواها الاخير قريبا

 

اثبتت التجارب انه حينما تكون اسس بناء الدولة فاشلة فكل محاولات استمراريتها ستكون يائسة والنتيجة الحتمية لها ستكون الفشل، وما شهده العراق خلال قرن من تأسيسه دليل على ذلك.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: انس محمود الشيخ مظهر

هناك فرية يحاول البعض تصديقها والبناء عليها وهي فرية العراق الواحد الموحد الذي لم يكن واحدا ولم يكن موحدا منذ ان خلقه الاستعمار ولغاية يومنا هذا رغم كل محاولات الحفاظ عليه وكل الدماء التي اريقت في سبيل ذلك. والمفارقة ان اجداد هؤلاء المدعين لغاية قرن من الزمن لم يكونوا يعرفوا شيئا باسم الجنسية العراقية بل كانوا من حملة الجنسية العثمانية التي كانت تحكمهم دون ان يكون للعراق وجود سياسي، وهذا يعني ان العراق الحالي ليس ازليا وحدوده ليست بالشيء المقدس لدرجه ان نضحي بشعوبها في سبيل المحافظة عليها. فالعربي العراقي سلخ من محيطه العربي كما سلخ الكردي من محيطه الكردي وفرض عليهما العيش ضمن حدود جديدة لدولة سميت بالعراق تحولت منذ ذلك اليوم الى اكبر مؤامرة مورست بحق هذين الشعبين سفكت من اجلها دمائهم واستنزفت في سبيلها طاقاتهم.

والسؤال هنا... الم يحن وقت انهاء هذه المؤامرة وتطبيع الوضع لتعود المياه الى مجاريها ويعيش الشعبان الكردي والعربي بسلام متجاورين؟

ان ما يجمع الشعبين العربي والكردي لا يتجاوز نقطتين فقط وهما الجوار التاريخي الذي نتج عنه علاقات اجتماعية وطيدة، والمعتقد الذي يتشارك فيه اغلبية الشعبين الكردي والعربي، ما عدا ذلك فلا وجود لمشتركات تجعل منهما شعبين متجانسين يستطيعان تأسيس دولة مع بعضهما ويحولاها الى وطن يجمعهما.

من ناحية السوسولوجيا السياسية هناك الكثير من الاختلافات بين الشعبين لا يمكن حصرها في نقاط محددة بعينها، فالعربي العراقي لم يتهاون في يوم ما عن ممارسة العنف بكل وسائله من اجل تحقيق سيطرته السياسية على العراق، تمثل ذلك في اداء الاطراف السياسية العربية بمختلف توجهاتها قومية كانت ام اسلامية وحتى اليسارية منها. بينما لم يجنح الأكراد الى العنف رغم ما تعرضوا اليه من ويلات على يد الحكومات العراقية المتعاقبة، فقد كانت الثورات الكردية دائما تركز على مقاتلة الجيوش العراقية وتحييد المدنيين العرب من هذا الصراع سواء في المدن الكردستانية او المدن العراقية، في الوقت الذي كانت فيه الحكومات العراقية تستخدم المدنيين الأكراد كورقة ضغط على الثورات الكردية، فامتلات المعتقلات بالمدنيين الأكراد واعدم الكثيرون ومورست بحقهم كل ما عرفه التاريخ من جرائم ضد البشرية بدءا من استخدام الاسلحة المحرمة دوليا والتهجير القسري المتمثل بالانفالات مرورا بالتغيير الديموغرافي للمناطق الكردية وانتهاء بعمليات قصف مدنهم وقراهم الامنة. ولم يقتصر هذا التعامل الدموي على الحكومات العراقية فقط بل تجاوزها الى الاحزاب العربية خارج الحكومات، فمعروف كيف تعامل القوميون العرب مع المكونات العراقية قبل ثورة البعث.. وكيف تعامل خصومهم الشيوعيين في حقبة من حقب تاريخ العراق مع الشعب، وكيف نصبوا المشانق للناس في الشوارع.. اما جرائم الاسلاميين في العراق فلا تعد ولا تحصى تمثلت اخيرا بجرائم داعش الشنيعة، وما قابله من جرائم للاحزاب الشيعية ومليشياتها.

وترسخ هذا الفرق بين المكونين الكردي والعربي اكثر بعد 2003، فقد اعتمدت الاطراف السياسية الموجودة في بغداد مبدأ التحكم والسيطرة بالقوة على الاخرين ليقابل برد فعل عنيف ايضا من الاطراف العربية المناوئة للحكومة العراقية، نتج عنه دمار شبه كامل لمدن العراق ومقوماته. اما في كردستان فقد تبنت الاطراف الكردستانية مبدأ التعايش والتسامح وقبول الاخر في ادارتهم لشئون كردستان فاستطاعوا بناء الاقليم في مدة قياسية كانت مثار اعجاب الاعداء قبل الاصدقاء.

استنادا الى ما سبق لا نرى ان دعوة الكردستانيين اليوم الى الاستفتاء والاستقلال من العراق هي دعوة غريبة او غير مبررة، فهم يستشعرون بان بقائهم ضمن هذه الدولة (المؤامرة) لن يجلب لهم غير الدمار والارهاب بعد ان وصلوا لقناعة استحالة العيش بسلام ضمن حدود هذه الدولة.

الغريب في الموضوع انه عندما يطالب الأكراد بالاستقلال فان ردة الفعل العربية العراقية تتسم ايضا باللامنطقية السياسية في الاعتراض لتعتمد على توجهين:

الاول.. يدعي بان الوقت غير ملائم لاعلان الاستقلال لانه يتزامن مع محاربة الارهاب.

والثاني.. يؤكد ان الاستفتاء هو اجراء غير دستوري وما ينتج عنه من استقلال ايضا ستكون نتيجة غير دستورية.

وبالطبع فان الطرحين يعبران عن التوهان الفكري السياسي الذي يعاني منه الطرف العربي في العراق والسطحية السياسية لديه.

فالقول بان الاستفتاء اجراء غير دستوري بحد ذاته طرح لا يعبر عن فهم هؤلاء لوظيفة الدساتير وماهيتها، ويشير الى خلط بين البنود الدستورية وبنود حقوق الانسان وقوانين الامم المتحدة. فالحقيقة انه لا يوجد في دساتير الدول ما يتحدث عن السماح او منع اجراء الاستفتاءات، كما انه لا يوجد في دساتير الدول ما يتعلق بميكانيكية اجراء الاستفتاءات، لسبب بسيط وهو ان الاستفتاءات هي ليست حقوقا دستورية بل هي حقوق اممية تتعلق بقوانين حقوق الانسان والمنظمات الدولية ذات العلاقة ومقررات الامم المتحدة، تعتبرها امورا مفروغا منها ومسلما بها لا تحتاج الى تضمينها في دساتير الدول. الا ان العقل السياسي العربي في العراق اقل من ان يفهم هذه الحقيقة وهو بإصراره على عدم دستورية اجراء الاستفتاء يفضح المستوى الحقيقي للسياسي العراقي.

وهنا نود ان نوجه سؤالا لهذه المجموعة: ان كان استفتاء كردستان غير دستوري فكيف سمح لسكان البصرة قبل سنوات باجراء استفتاء حول وضع مدينتهم ضمن العراق ولماذا لم يخرج احد حينها ليصف هذا الاستفتاء بغير الدستوري؟

اما القول بان الاستفتاء سيؤثر على محاربة الارهاب فهذا ايضا مبرر واهٍ لاسباب كثيرة منها ان اقليم كردستان هو اول طرف في المنطقة تصدى لداعش وهزمه وهو الان يعيش ايامه الاخيرة خاصة بعد اكمال تحرير الموصل، وما سيبقى من الارهاب سيكون عبر التفجيرات والمفخخات مستغلا الوضع الامني الهش في المدن العراقية وعدم كفاءة الاجهزة الامنية في العراق والفساد المستشري فيه، ومن غير المعقول ان يؤجل الأكراد ممارسة حق من حقوقهم الديمقراطية بسبب فشل الاخرين في استتاب الوضع الامني في مناطقهم، ثم من قال ان الارهاب في العراق متمثل فقط في داعش وانه سينتهي بانتهاء داعش؟ فالميليشيات الشيعية التي تتبناها الحكومة العراقية لا تقل ارهابا عن داعش ولذلك فان استقلال كردستان يمثل من زاوية اخرى تصديا للارهاب المستقبلي لهذه المليشيات وحماية لشعب كردستان منها.

احيانا يكون من الضروري وضع النقاط على الحروف والمكاشفة الصريحة خاصة في هكذا مفاصل تاريخية مهمة. فمن يتصور ان سبب رفض الاطراف العراقية لاستفتاء كردستان واستقلالها ينطلق من شعورهم بالوطنية وخوفهم على وحدة العراق كما يدعون فهو واهم، لان الرفض العراقي لاستفتاء واستقلال كردستان ينحصر في نقطتين اثنتين لا ثالث لهما وهما:

الاولى... بسبب الضغوطات التي تمارسه اطراف اقليمية (تركيا وايران) على هذه الاحزاب العراقية لرفض الاستفتاء انطلاقا من تخوفات هتين الدولتين على وحدة اراضيها وامنها الوطني.

الثانية.. يقين الاحزاب العراقية بان كركوك اصبحت ضمن اقليم كردستان وان استقلال كردستان يعني حرمانهم من الواردات النفطية لهذه المدينة، بدليل ان هذه الاحزاب العراقية طالما صرحت في الماضي بان استقلال كردستان بمدنها الثلاث اربيل والسليمانية ودهوك هو حق مشروع للكردستانيين، لكن بعد ان ضمت كركوك لكردستان علا صياح نفس الاحزاب برفضهم لاستقلال كردستان بهذه الحجج الضعيفة. ان الخوف على وحدة العراق لا يتعلق بعدد المحافظات التي ستستقل ان كانت محافظة او اكثر، ولو اعلنت كردستان اليوم بان كركوك لن تنضم اليها فسوف تكون هذه الاحزاب اول المرحبين والداعمين لاستقلال كردستان، اذا الخوف هو على "نفطات" كركوك وليس على وحدة اراضي العراق.

عموما فان الاطراف العربية في العراق مدعوة الى فهم حقيقة واحدة: ان استقلال كردستان اتٍ لا ريب فيه هدى للكردستانيين، فمن شاء منهم فليرحب بهذا الاستقلال ومن شاء فليكفر به. ولكن في الحالتين فلا تراجع عن الاستفتاء ولا عن الاستقلال شاء من شاء وابى من ابى، ومن لا يعجبه فجبال كردستان موجودة يستطيعون التناطح معها.

 

انس محمود الشيخ مظهر

 
انس محمود الشيخ مظهر
 
أرشيف الكاتب
مؤامرة اسمها العراق... الدولة التي ستشيع الى مثواها الاخير قريبا
2017-06-27
مبروك لـ'الاء العراقية' عروبتها
2017-06-06
'مختار العصر' يعتقد ان بوسعه الاستمرار في خداع العراقيين
2017-05-31
اسماعيل بيشكجي وصالح القلاب.. وثالثهما عمار الحكيم الخارج من جلاب اجداده
2017-04-23
هكذا يخاطبون العقل العراقي المنهك ويدجنوه
2017-04-18
خطوط النار ومفخخاتها في معركة استقلال كردستان
2017-04-16
خيارات اميركا لإنهاء الهيمنة الايرانية على العراق
2017-03-28
هل هي كركوك كردستان ام تورابورا افغانستان؟
2017-03-04
المليشيات الشيعية وداعش في ميزان الارهاب.. من الاخطر؟
2017-02-04
العراق الموحد اليوم لا يخدم إلا ايران والسنة كبش فداءه الوحيد
2017-01-16
المزيد

 
>>