First Published: 2017-06-28

التخييل التاريخي .. ورشة مشتركة بين الباحثين في التاريخ والرواية

 

الورشة يجب أن تتوسع لإنشاء تقاطعات واهتمامات مشتركة ومتجددة، في أفق بلورة أجهزة للوصف والتحليل والتأويل والتطوير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عثماني الميلود

فضائل التاريخ والتخييل هي التي ستجعل من فهم التاريخ أمرا جديداً

إن العلاقة بين التاريخ والتخييل هي علاقة متجددة، ومع تجددها تتنامى الأسئلة على الدوام، نقصد الخط الفاصل، أو الحد الذي يفصل تخصصا غايته المعرفة بالوقائع التاريخية، وأعمال تخييلية تحبك تلك المعرفة، ولكن وفق منطق خياليّ.

صور التقارب أضحت منذ أكثر من نصف قرن، من الزمن، أسئلة للذاكرة وجزءاً من أرشيف تاريخ المعرفة والفكر. ويبرز هذا الاختلاف، في ضوء وقائع هي كتابات المؤرخين، والكتابات التخييلية، كما يؤكد ذلك أوزوف.

وقد نشأ هذا الإشكال وتطور، في ضوء قراءة الروايات التي شهدتها الآداب الكونية، خاصة على الصعيد الأوروبي، مكسرة جوهر الأطروحة الوضعانية، أذكر جونتان ليطل (2006)، وجان كارسكي ويانيك هينل (2010) أو HHhH للورن بيني (2011)، أو روايات عبدالله العروي وبنسالم حميش وأحمد التوفيق وحسن أوريد وسعيد بنسعيد العلوي وعز الدين التازي وزكية داود ومحمد الأشعري وعبدالكريم الجويطي والبشير الدامون.

وقد استندت هذه التخييلات (الأدبية) التاريخية إلى تغيير في صيغ الخطاب والانتقال من ضمير الخطاب الغائب أو المخاطب إلى ضمير المتكلم، مع مزج التخييل بالوثائق وتوظيف الخطاب التخييلي - المتعالي الأسطوغرافي، مع خرق ما يمكن أو ما يسمح به التمثيل التاريخي الحرفي، وجعل التخييل يغير العوائد والقواعد والمسلمات.

كما صرنا نلاحظ وجود كتابات المؤرخين التي شرعت في تغيير خطوط التماسّ، حيث نجد الفرنسي ألان كوربن، في سنة 2011، يعيد صياغة المحاضرات الضائعة لمدرس من نهاية القرن 19. ومثله ما نجده لدى كتاب التخييل التاريخي المغاربيين (خاصة المغاربة والجزائريين)، الذين اختاروا مواقع تميزهم عن مواقع المؤرخين؛ فاختار حميش منظورين مختلفين (ابن خلدون وابن سبعين) لبعث رسائل إلى عصره، من خلال التشديد على أهمية المثقف، خاصة في فترات الشدة والأزمة.

وهو ما صنعه أوريد في مورسكيه، قاصدا تصحيح الماضي، وتوجيه النقد للسلطة، والتنصيص على استمرارية غياب الإنصاف والعدل.

في حين زاوج بنسعيد بين إطلالتين؛ الأولى على الماضي (سيرة المهدي بن تومرت) والثانية على الحاضر (ثورة 25 يناير 2011 بمصر)، والتأكيد على طابع الانتظار الذي يميز حركية التاريخ العربي - الإسلامي.

في حين اختار محمد عز الدين التازي منظورا نوستالجيا لواقعة تاريخية قريبة (تهجير اليهود المغاربة باتجاه أرض فلسطين)، والتنقيب في صور هؤلاء المغاربة وذكرياتهم وآلام الفراق. وهو الصنيع نفسه الذي قام به واسيني لعرج في معالجة مأساة الأمير عبدالقادر الجزائري، إذ لم يعرض للواقعة من زاويتها التاريخية الصرفة (وهو أمر يتنافى وخصوصية التخييل)، وسرد صورة المأساة على لسان شخص تابع، لم تفد المعطيات الوقائعية أنه كان له دور من الأدوار في ترحيل وسجن الأمير. وقد وازى هذا الإبدال، تطور في مجرى التاريخ الوقائعي، فأصبح يتخيل، يحكي ما حصل فعلا وما لم يحصل. كل هذه الأمور مجتمعة، تدفعنا إلى التأكيد على أن التخييل التاريخي هو جزء من استراتيجية عارمة تقوم على تبدل جوهري في المنظور والإبدال.

ماذا يكون التخييل التاريخي؟

يتميز التخييل التاريخي بهذه الثنائية اللفظية ما بين " تخييل" و"تاريخي".

هناك تعريف أولي ومبدئي للتخييل التاريخي، باعتباره تمثيلا (تخييليا) للماضي، كما يقول بيرنار (1996). وقد ربط لوكاتش نشأة التخييل التاريخي (الرواية التاريخية، بتعبيره) مع والتر سكوت، مع تأكيده على "خصائص الشخصيات المشتقة من الخصائص التاريخية لعصرها" (لوكاتش،17:2000). وقد صارت هذه الخاصية، ما بعد الثورة البلشفية، جزءا من "تجربة معيشة للجماهير" (ص.21)، وفهم للوجود باعتباره "أمرا مشروطا تاريخيا" (نفسه). وبتعبير آخر، فإن الحضور التاريخي، في الحبكة، هو ما يحدد الجنس والوظيفة السردية، ويوسع الوظائف الأخرى المعرفية والأنثروبولوجية.

وتبعا لما سلف، نستطيع أن نعرف التخييل التاريخي على أنه تقاطع (تهجين) عنصر ما، من الماضي، بصيغة من الصيغ، وبلورة رهان معين، قد يكون جزءاً من فهم الماضي، يصلح لإضاءة الحاضر. والتخييل التاريخي، يميل إلى اللعب بالتاريخ حينما يفشل هذا الأخير في عرض حقيقة الماضي. وقد يكون ذلك بهدف التسلية والترفيه، أو معرفة الماضي وإضاءته. وقد يكون الهدف الطعن في شرعية الحاضر، بالطعن في شرعية الماضي (نموذج التخييل التاريخي ما بعد كولونيالي).

ولهذا يمكن أن نعرف التخييل التاريخي، في مقابل المحكي التاريخي؛ فالأول يحبك شخصيات ووضعيات قد تكون، في مجملها، تخييلية في حين يطلب من الثاني أن يكون قريبا، ما أمكن، من أحداث الماضي، بحيث لا يسمح بأي تفصيل تخييليّ، فليس المؤرخ حرا في ذلك، إذ هو ملزم بتدوين ما هو موجود في الوثائق، بشكل أمين، كما يؤكد ذلك جورج دوبي (185).

كما أن المحكي في التاريخ، يضيف شارتيي (2006)، يمتلك خاصية جوهرية كونه "نصا" مرخصا له، همُّهُ مساءلة الحقيقة. وبهذا يصبح التاريخ "نصا فوق نص"، أو ما اصطلح عليه دو سارتو ([1978]، 2002)، بـ "البنية المضاعفة".

وإذا سعينا، الآن، إلى تعريف أكثر دقة للتخييل التاريخي المعاصر، نقول إنه سرد قصة تجري أحداثها، في عالم ذي مرجعية ماضوية، فإذا كان قراؤه شبابا، فلا شك أن وظيفته تعليمية (ديداكتيكية). وإذا كان موجها للكبار، فإن وظيفته تصبح جدالية (إن لم نقل إيديولوجية).

وفي الحالين معا، نؤكد أن فضائل التاريخ والتخييل هي التي ستجعل من فهم التاريخ أمرا جديداً، ولربما أكثر تأثيرا وإقناعا وإمتاعا، من درس ينجز حول التاريخ البعيد.

إذا كان التخييل التاريخي، بطبيعته الثنائية واستخدامه لأداء وظائف ديداكتيكية، يسائل قضية الحدود، يبدو أن بعده المركزي، رغم سعينا لتوضيحه، يحتاج إلى مزيد من التفكير والتأمل. فالروائيون والمؤرخون والناشرون وبعض الديداكتيكيين يقفون، الآن، على حقيقة مفادها أن التخييل التاريخي يشتغل، بشكل أفضل، من خلال تماهي القارئ والشخصية.

والحقيقة أن مثل هذا التوكيد بحاجة ماسة إلى تثبت: فما الذي نعنيه بالتماهي؟ كيف يشتغل؟ هل يتعلق الأمر بما سماه أرسطو بالتطهير (الكاثارسيس) التخييلي؟ وإذا كان موجوداً، فهل يمكن أن نعتبره كفاية في قراءة التخييل؟ وهل التاريخ قادر على أن يعيش التحول الذي شهدته العلوم الاجتماعية، بعامة، والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، على وجه الخصوص، حينما صرنا نجدها تتحول إلى صيغ شبه أدبية كالأوطوبيوغرافيا أو البيوغرافيا أو محكي الحياة.

ولنا، في المغرب، نموذج جيد لعبدالله ساعف، في مؤلفاته الأخيرة (الحافلة رقم 32، جودار، حكاية أنه ما)، وكتابات إيكلمان وجاك بيرك.

إن التخييل التاريخي هو ورشة مشتركة بين الباحثين في التاريخ والرواية، ورشة يجب أن تتوسع لإنشاء تقاطعات واهتمامات مشتركة ومتجددة، في أفق بلورة أجهزة للوصف والتحليل والتأويل والتطوير.

باحث وناقد أدبي - المغرب

 

منظمات دولية تتهم الجيش اللبناني بتعذيب لاجئين سوريين حتى الموت

قطر أبعد ما تكون عن الخروج من ورطتها

العبادي يستبق نهاية المعركة لتهنئة العراقيين بـ\'الانتصار الكبير\'

بوتفليقة يطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية

قذيفة مجهولة تنمي فوضى الاقتتال في العاصمة الليبية

انتهت مناورات قطر وحان وقت الرد الخليجي الحاسم


 
>>