First Published: 2017-06-29

عبد الناصر حسن يقرأ آليات الشعراء في صنع الأسطورة

 

الأكاديمي المصري يرى أن اللغة لدى صانعي الأسطورة ليست أداة اتصال فحسب بل هي أداة سحرية للسيطرة على الأشياء والكائنات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الشاعر هو أقدر الناس على خلق الأساطير

يقرأ الناقد د. عبدالناصر حسن في كتابه "صانع الأسطورة في الشعر العربي الحديث" العلاقة بين الشعر والأسطورة في نشأتها وتطورها ليصل عبر هذه القراءة إلى آليات الشاعر في صنع الأسطورة، وقد كانت أعمال الشعراء بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وأدونيس وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي ومحمود درويش وعبدالمنعم عواد يوسف ومحمد سليمان، سعيا للإجابة عن تساؤل مهم: إلى أي مدى يبقى نصيب المبدع أو الأديب في صناعة هذه الأسطورة، وما الفرق بين أن يصنع الأديب أسطورة هي إعادة إنتاج للأسطورة القديمة، ولكن بالمعنى الأدبي وبين أن يصنع أسطورته الخاصة؟

يؤكد حسن في كتابه الصادر عن الهيئة العامة للقصور الثقافة سلسلة كتابات نقدية أن علاقة الشعر بالأسطورة علاقة موغلة في القدم حيث التقى الشعر بالملاحم البابلية والإغريقية والسومرية والفرعونية مثل إيزيس وأوزوريس ومثل الإلياذة والأوديسة وملحمة جلجاميش وغيرها.

إن هناك مع كل حال ارتباطا واضحا بين تلك التراتيل والابتهالات الدينية التي كان يقوم بها الكهنة في المعابد وتلك الأشعار الشعبية التي كان يرددها المنشدون في المناسبات الدينية المختلفة وبين التجربة الشعرية ذات السمات الروحية والجمالية بالغة الأثر.

وفي هذا ما يؤكد أن أشكال الأسطوري والملحمي والشعري كلها أشكال يربطها ذلك الاتصال الروحي العميق الحافل بالتجارب الإنسانية بكل أسرارها وبواعثها النفسية والجمالية ولا غرابة بعد ذلك في عودة الشاعر المعاصر إلى تلك التجارب الأسطورية في الشعر، وإنها لعودة حقيقية لمصادر التجارب الإنسانية في تاريخ البشر ومحاولة التعبير عن امتداداتها في عصرنا الراهن بوسائل مبتكرة تجعلها تقع دائما بين الحقيقية والخيال الأدبي الخلاق.

ويشير إلى إن كلا من الأسطوري والشعري يوهمان الإنسان بامتلاك السلطة على الأشياء إذ اللغة لدى صانعي الأسطورة ليست أداة اتصال فحسب بل هي أداة سحرية للسيطرة على الأشياء والكائنات.

إن قوة المبدع صانع الأسطورة تكمن في المقام الأول في اللغة واستخداماته الفنية لها فهي بالتأكيد لغة تختلف بشكل كبير من حيث الرمزية والإيحاء والكثافة والقدرة على الإثارة لامتلاكها شحنة من الأحاسيس والعواطف تتمكن من خلالها أن تقرع الصمت وتبث الحياة بل لنقل إنها تنفث في الإنسان ما يكسبه القدرة على استدعاء القديم والمزج بينه وبين الرؤية الحديثة له، ثم يتجاوز المبدع ذلك بمحاولاته المستمرة في العصر الحديث لأنه يصنع أسطورته الخاصة.

ويوضح أنه إذا كان الشعراء قد نجحوا في توظيف الأساطير والمأثورات الشعبية توظيفا فنيا واعيا يربط بين الماضي والحاضر أو بين التاريخي والواقعي فإن للإنسان ـ بوصفه كائنا رمزيا مزحوما بالرموز أحلاما وسلوكا وأملا ـ نزعاته الذاتية وإنجازاته الفردية في صناعته عالما أسطوريا مستمدا من واقعه المعاصر له.

وإذا كان الإنسان بصفة عامة يشارك في صناعة التاريخي والأسطوري فإن الشاعر على وجه الخصوص هو أقدر الناس على خلق الأساطير، فالشاعر بما يملك من أدوات فنية ولغوية لا يوظف الأسطورة الجاهزة بقدر ما يعيد خلقها أو ينشيء أسطورة جديدة تعتمد على رموزه الشخصية التي هي في الوقت نفسه امتداد للصور والنماذج العليا التي يتشكل منها اللاوعي.

يقول حسن في قراءته لأسطورة مهيار الدمشقي في ديوان "أغاني مهيار الدمشقي" لأدونيس، "إن أسطورة مهيار تتداخل في تركيبتها مستويات متعددة، كما تقول خالدة سعيد، تجسد قلق الإنسان المعاصر وأزمته بوصفه فردا يعيش تعقد الظرف الإنساني في عصره ثم هو على مستوى آخر يعاني تجربة التحولات والتوتر التي يعيشها العربي، وعلى مستوى ثالث يواجه مشكلات وجودية مثل الموت والحياة والحب، وهنا ينقل الشاعر تجربته الخاصة إلى مستوى كوني.

ويضيف "أهم ما يميز تجربة أدونيس فنيا في صناعته للأسطوري إنه استخدم ما يعرف بالإديوجرام أي الصور التي تقوم بالربط بين الأبعاد المتنافرة والمتباعدة بحيث يكون أحد طرفيها هو الخارجي بكل ما يحمله إلينا عن طريق الحواس، في حين يكون الطرف الآخر هو الداخلي فيما تدركه الذات متكونا من خلال الوعي بالحقائق التاريخية التي تم نقلها من خلال الحواس، وهو بذلك استطاع أن يضيق الهوة الفاصلة بين الحقيقة والخيال، بين الماضي والحاضر، وكذلك بين الحسي وغير الحسي، بين الواقع والأسطورة حيث نلاحظ أن أسطورة مهيار الدمشقي، وإن كانت حول الواقع وتنتمي إليه وإن كانت لا تنغمس في حبائله.

وفي دراسته لقصيدة "لعازر 1962" للشاعر خليل حاوي يؤكد حسن أن حاوي نجح في توظيف رموز أسطورية جاهزة متنوعة في شعره مثل السندباد وتموز والمسيح فقد استطاع أن يجد ضالته الحقيقية في صناعة الرمز الأسطوري ذلك الرمز الذي انتشله الشاعر من دلالة عامة له وحوله إلى جزء من أسطورته الخاصة.

ويرى أن حاوي استطاع في قصيدة لعازر 1962 أن يصنع اسطورته الخاصة من خلال شخصية لعازر وزوجته تجسيدا لصراع حاوي مع ذاته. لقد كتب يقول في تصديره لهذه القصيدة الدرامية مخاطبا الذات: "كنت صدى انهيار في مستهل النضال، فغنوت ضجيج انهيارات حين تطاولت مراحله، ثم راحت ملامحك تكون ذاتها في ذاتي وتعتصر من كل مناضل ينهار أخص صفاته وأهمها كذلك راح الضجيج يستقر على صورة صافية الايقاع عن أعماقه المتعكرة".

إن أسطور البعث لدى حاوي في القصيدة كانت تجسيدا قويا لتعقد الظرف التاريخي الذي يحياه العرب جميعا، فبعد محاولات الكفاح المستمرة والنضال القومي في مرحلة التحرر من الاستعمار الأجنبي طموحا في إعطاء الشعوب ما تستحقه من الحرية تجمد كل شيء.

ويحلل حسن قصيدة "تل الزعتر" لمحمود درويش حيث يرى أنها ملحمة تأتي بوصفها نوعا من القصائد الطويلة ذات الطابع الملحمي "تهدف إلى تمجيد مثل جماعية إنسانية تستوعب الديني والوطني والأخلاقي من خلال تجسيدها لهذه المثل في بطل القصيدة الملحمية ورمزا أسطوريا ثم أصبح أسطورة تامة تكسر المألوف والعادي. إنه أحمد الزعتر الأسطوري القريب إلى حد بعيد.

ويتضح ذلك في إعلان درويش منذ البداية لموضوعها وهو الظلم والقهر الشديدين اللذين يتعرض لهما أهالي تل الزعتر، كما تخضع إلى أسلوب الملاحم حين يبدأها درويش بوسط أحداثها، وهي أيضا ملحمة حين يخضعها لتدخل الأقدار في شئون البشر، وكذا التشبيهات المطولة والمعقدة التي عمد إليها الشاعر في بنائه الفني بحيث جعل متها صناعة أسطورية خالصة لبطلها أحمد الزعتر.

وفي تحليله للأسطورة في شعر صلاح عبدالصبور يقول حسن "إن قراءة سريعة عند عبدالصبور تكشف لنا كيف كان البعد الأسطوري بكل تجلياته ماثلا في كتاباته وكتابات غيره من رواد الشعر الجديد، ولقد برزت أسطورة إيزيس بل مثلت نموذجا أعلى قد شظى من صور متنوعة تجسد في عموميتها هذا النموذج الأعلى عند صلاح عبدالصبور".

ويلاحظ حسن أن الأسطورة عند عبدالصبور لم تكن أبدا مجرد نوع من اقتفاء الأساطير القديمة أو نظمها في قوالب شعرية، بل محاولة وسعى جاد لإعطاء القصيدة عمقا أكثر من عمقها الظاهر - كما يقول - ونقل تجربته من مستواها الشخصي الذاتي إلى مستوى إنساني جوهري، أو بالأحرى حفر القصيدة في التاريخ.

إذن الهدف الأساسي عند عبدالصبور بوصفه شاعرا هو هدف جمالي يتخذ منه وسيلة تعبيرية تصوغ رؤيته ومواقفه من الواقع وهي منهج وطريقة في إدراك الواقع والأشياء لا تنفصل عن جسد النص وتكمن أهميتها في القدرة الفائقة على التعبير عن الذات الإنسانية في وحدتها وجوهرها وكذلك في صياغة موقف من الإنسان والقضايا الكبرى مثل الموت والحياة والحرية والوجود الإنساني.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
باحث أردني يؤكد أن المسجد الأقصى القرآني ليس 'المسجد الأقصى' الحالي
2017-07-04
'ثقافة بلا حدود' رؤية استراتيجية لتعزيز عادة القراءة بين أفراد المجتمع الإماراتي
2017-07-03
أشرف لبيب: الوسيط الرقمي يساعد على الارتقاء بالفن السينمائي
2017-07-02
أربعة عشر باحثا يحللون قضية تجديد التعليم الديني
2017-06-30
عبد الناصر حسن يقرأ آليات الشعراء في صنع الأسطورة
2017-06-29
أطروحات برنارد ماندفيل الفكرية تتسع لتشمل الأخلاق والمجتمع والاقتصاد
2017-06-23
شاكر عبدالحميد: لا يمكن أن تقوم الدول الحديثة، وتستمر، إذا فشلت في مواجهة الإرهاب
2017-06-22
عبدالرحيم العلام: الولادة القيصرية لـ 'الدولة العربية' أسهمت في خلق نواقضها من داخلها
2017-06-20
محمد الغامدي يحكي ذاكرة الفواجع المنسيّة
2017-06-19
باحث تونسي: اجترار مواقف القدامى تنكّر للواقع والتاريخ واستمرار للوهم والزّيف
2017-06-18
المزيد

 
>>