First Published: 2017-06-29

تهتك النسيج الاجتماعي

 

بعض الدول هلامية تريد ان تفتعل لحمة وطنية بين مكونات متناقضة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سهى الجندي

يقول البعض أنهم يعارضون سياسة الحكومات وليس الشعوب. وهذا القول صحيح إذا كان هناك فرق كبير بينهما، ولكن ماذا يقولون بشعب جله قدموا من وراء أعالي البحار ومنحوا جنسيات دولهم، وماذا لو كان جل المجنسين من قوم أعداء، كما حدث في إحدى الدول العربية التي جل مواطنيها قدموا من دولة معادية، فكيف يكون ولاؤهم عربيا؟ ولا سبيل إلى دمجها إلا بالتأسلم، ومحاولة صهرها في هذا الإطار، لأن أي إطار آخر يعني استعداءهم مما يجعلهم يفسدون الأسواق لأنهم يسيطرون على البنوك وأعمال المصارف. كما أنهم منفتحون على بعضهم وتواصلهم سلس على العكس من العرب المنحدرون من قبائل عربية وهم محافظون ومنغلقون نسبيا، هذا سيضعهم في مواجهة تخل بأركان الدولة.

ليس سرا أن النسيج الاجتماعي يتأثر بشكل مباشر بالأصول والمنابت إذا كان المجتمع صغيرا ومنغلقا وتسيطر عليه قوميتان متعاديتان ومصيره إلى التهتك السريع، ولا سبيل إلى التوفيق بينهما إلا بايدلوجيا مشتركة حتى وإن كانت مصطنعة. فدولة مثل تركيا تضم عشرات القوميات والأديان، لا يمكن أن تتعرض لمثل هذا التأثير لأنها دولة شاسعة ودستورها علماني ويختلط الشعب بكافة أطيافه فيما يتمتعون بحرية كاملة للعيش بأسلوبهم الخاص. أما إذا كانت الدولة صغيرة يتكون مجتمعها من قوميتين كبيرتين، فإنها معرضة للتصادم والصراع ما لم تلجأ إلى بوتقة معينة لصهرهم جميعا فيها لتلافي حدوث خلل واضطراب أمني. وهذا الحديث منبثق عن مراقبة دقيقة، فكيف تكون الدولة عربية فيما يكون أكثر من نصف مواطنيها قدموا من قومية معادية في حيز ضيق منغلق على ذاته؟

هذا الوضع يفسر التناقضات التي يحار المراقبون في أمرها، والتي تجعل الدولة هلامية لا شكل لها، وتعزف على كافة الأوتار فتكون النتيجة نشازا ليس فيها تناغم أو انسجام. وعلى الذين يعتقدون أن النسيج الاجتماعي في هذه الدولة سليم أن يعيد النظر، فهو ليس سليما وهناك شريحة تشتكي ليلا نهارا ولا من يسمعها أو يسعفها. وتتركز شكاواهم على عدم الحصول على مناصب قيادية فهي حكر على أشخاص معينين، وانعدام الحريات وتأسيس الجمعيات كاتحاد للكتاب على سبيل المثال، حتى أن كثيرا من المواهب انطمست بعد أن استولى عدد قليل من أبناء الذوات على المناصب فيما تركت معظم المناصب القيادية لجهات أميركية، أفسدت كثيرا من القطاعات الحيوية وأهمها قطاع المدارس ونظام التعليم.

إن سياسات الدولة لا بد وأن يرسمها الولاء والانتماء وهذا يعني أن يتولى رسم السياسات شخصيات على قدر كبير من العلم والمعرفة والحس الوطني الصادق، وإذا حدث هذا الأمر فإن أشياء كثيرة ستتغير وسوف يصبح هناك أصحاب رأي ووعي عام، وهذه مصيبة تهدد استقرار الحكم، لذا كان لزاما على الحكومة إسناد هذه السياسات لشركات أجنبية تسير وفق هوى من اسـتأجرها ضمن الدائرة المرسومة لها، بصرف النظر عن الجدوى العملية لهذه المشاريع. وهذا يفسر تولي الشركات الأجنبية لرسم سياسات القطاعات الحيوية في الدولة.

هذه نتائج طبيعية لتهتك النسيج الاجتماعي وعدم انسجامه وحذر الناس من بعضهم البعض، وعدم القيام بأية خطوة تخلق حياة حقيقية داخل المجتمع، ولا تنشأ الحياة الحقيقية إلا إذا كان لها امتداد وتاريخ وقيم مشتركة وحماس وحرية للتطوير والانطلاق، فإذا كان هذا الباب مغلقا، لا عجب أن نرى صمتا مطبقا وخوفا من القيام بأي نشاط بهدف إلى التغيير.

 

سهى الجندي

 
سهى الجندي
 
أرشيف الكاتب
أخذتهم العزة بالإثم
2017-07-02
تهتك النسيج الاجتماعي
2017-06-29
مبررات الخوف من ايران
2017-06-15
شقاوة
2017-06-10
باب جديد لإيران
2017-05-30
نظرة للأمام بعد الشعيرات
2017-04-10
العرب واختبار البيسا
2017-04-07
الآيدولوجيا والإطار المرجعي
2017-03-21
صديقتي
2017-03-10
تأثير الطبيعة على طبائع الشعوب
2017-03-05
المزيد

 
>>