First Published: 2017-06-30

الحلمية في رواية 'سروال بلقيس'

 

العوالم التي اختتم بها الكاتب الأردني صبحي فحماوي روايته عوالم سلبية قاتمة مرعبة تعطينا فكرة عميقة وجارحة عن مصير القضية الفلسطينية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أ. د. عبدالرحيم مراشدة

كان واعياً لأهمية البعد الحلمي وأشيائه وتفاصيله

تلعب الأحلام دوراً مهما في إنجاز سياقات إبداعية مهمة، وفي أدبنا العربي نجد الكثير من هذه الأمور، ولنا أن نستذكر (ابن شهيد) وكتابه التوابع والزوابع، (والمعري) في رسالة الغفران، وعالم ألف ليلة وليلة ...الخ، وكما فعل كثير من الروائيين الغربيين من حيث الاهتمام بالأشياء من أمثال (سارتر) في رواية "الغثيان".

ولعل الرواية، في العصر الحديث، هي الأكثر اهتماما من حيث الإفادة من هذا العالم الحلمي، لا سيما بعد التجديدات التي جاءت بها مدرسة الرواية الجديدة، بابتكاراتها تقنيات تكسر صرامة الزمن والأفق المؤظر للهرم التقليدي لبناء الرواية، حيث الحلم يعطي مجالاً أوسع، ورحابة من الحرية تتيح للروائي الذهاب إلى الماضي والحاضر، وتخترق الأزمنة والأمكنة، وفق استراتيجيات النص الروائي ومتطلباته.

ورواية "سروال بلقيس" للكاتب صبحي فحماوي، بتفاصيلها وأِشيائها، وشخوصها وأحداثها، تجسد ملحمة مختزلة، لمسيرة الشعب الفلسطيني ومعاناته في هذا الكون الظالم أهله، عربياً وأمميا.

ويبدو أن الروائي صبحي فحماوي، وبسبب من ثقافته الواسعة، منتجاً ثراً لقصص إطارية وجزئية مهمة لرفد روايته بجوانب من البعد التخييلي والفانتازي، سعياً منه لإنتاج ما يسمى لذة النص، إضافة لكسر حدة الزمان المكان ومسارهما، حتى لا يبقى ضمن إسار البعد التقليدي للكتابة الروائية، وهو يحاول أيضاً بكل ما من شأنه خدمة خطاب الرواية، يذهب السارد الذي ابتكره الروائي، كما ابتكر الشخصيات، النسوية منها خاصة، لتمثيل قصة حلمية لها ارتباط لافت مستثمرة بشكل يعطي إيقاعاً خاصاً للنص الروائي هنا، كما لو كنت في عالم من قصص ألف ليلة وليلة، أو قصص الأحلام المتجاوزة للواقع.

صبحي فحماوي الروائي كان واعياً لأهمية البعد الحلمي وأشيائه وتفاصيله، وجعل منه منتجاً فكرياً مهماً يصب في خدمة الفكرة المركزية التي تقوم عليها روايته مدار بحثنا هذا، وجعل الحلم يأتي من خلال قصة جزئية حاول أن يختم بها روايته، ليبعث النشاط في ذهنية التلقي، ويدفعه لإعادة ربط إيقاع الرواية ومضموناتها من بدايتها حتى نهايتها، بوصفها كلا متكاملا ليعي الوحدة العضوية والموضوعية للنص، وبالتالي يصل إلى رسالة النص المبثوثة عبر الرواية.

تأتي القصة الحلم في سياق تراتبي بعد حدثين مهمين: الأول حدث ضياع رزق ابن بلقيس واكتشاف أنه ليس ضياعاً بل كان محجوزاً لدى الشرطة المحلية، بتهمة كتابة موضوع إنشاء يبث فيه مشاعره عن الاحتلال، وطلب من عطا والده أن يكتب تعهدا بعدم الكتابة في مثل هذه الموضوعات.

وثانياً: يأتي الحلم كذلك بعد الانتهاء من رحلة النساء الثلاث: صالحة وحمدة المحمودية وبلقيس.

تتلخص القصة/الخاتمة بحلم تسرده بلقيس، وهي رحلة إلى الحقول والبراري للبحث عن القوت، لتنغلق الرواية بشكل دائري، حيث بدأت برحلة لهؤلاء النسوة وانتهت بهن، إنها رحلة الشقاء والعذاب التي تجسد رحلة شعب ومسيرة أمة في نضالها وجهادها للحياة والبحث عن الهوية والوطن والإنسانية، بعد كل هذه الأحداث تأتي قصة الحلم المتضمنة لمعاني عظيمة ومحورية للرواية.

تتلخص القصة انطلاقاً من نهاية ممارسة غرامية بين بلقيس وزوجها عطا – أبورزق - وكأني بالروائي يريد إنتاج اللذة بإمكانية حلم العودة، والجمع بين لذة الجسد ولذة الارتباط بالأرض، التزاوج الحميمي بينهما، بعد هذا اللقاء بين الزوجين تغط بلقيس في نوم عميق لترى أشياء لم ترها من قبل، وتفاصيل خارقة للعادة غرائبية وعجائبية في الآن نفسه، لكن ما تراه من أشياء وتفاصيل في معظمه يعود للطبيعة والأشياء التي تتعامل معها، ولها ارتباط بمكنوناتها عن الحياة، فها هو السياق يذكر:

"تنام بلقيس ثانية فتحلم بأشياء عجيبة تتبدى لها، إذ ترى الأرض منثورة بأشواك العكوب المشرئبة إبرها، مثل شعر القنفذ المنتشرة على كل ما حولها، وحتى المدى البعيد بينما هي تسير حافية فوق الأشواك وترتعب إذ ترى اللاجئين كلهم يرعون أشواكه منتشرين في الجبال والسهول والوديان مثل رعي الجمال التي تضخمت وتضخمت وتضخمت، فصار كل جمل منها جبلاً قاماً بذاته، وعندما تنظر إلى الوادي السحيق تحتها تفاجئها أفعى طويلة تتمدد بطول الوادي تجده تتبرد برطوبتها، وهي تلعب بذيلها المتمايل يمنة ويسرة بينما رأسها يشبه صخرة كبيرة ترتفع متحـركة من بعيد في نهاية السحب، وترى في فمها بقرة حمراء تتشقلب والأفعى تحاول ابتلاعها..".

إن القراءة المتأنية لهذا الحلم يقودنا إلى أنه يحتوي على أشياء بسيطة لها علاقة بحياة العيش والإنسان بالنسبة لبلقيس، التي تمثل أنموذجاً للإنسان الفلسطيني، فمن الأشياء التي ظهرت، ولها علاقة بالطبيعة (العكوب المشرئب، أشواك العكوب الإبرية، القنفذ وأشواكه، امتداد الأشواك على مساحات يغص بها النظر طويلة) وبلقيس تسير حافية، وهذا يشير لبساطـــتها وفقرها.. ثم ظــهور أشــياء أخرى مثل (السهول والوديان والجبال / المناطق الوعرة)، ثم تظــهر الحـيوانات (الجمال) والزواحف السامة (الأفعى)، ومشهد (اللاجئين)، كل ذلك يترافق مع وجود بلقيس المرعوبة وحافية القدمين.

هذا الحشد من الصور والمشاهد الحلمية، ومع قراءة الرواية كوحدة متكاملة، تسوق لنا بوصفنا متلقين، عوالم تتأسس وتنبني على أنا عوالم طاردة، مرعبة، لا تليق بهذا الإنسان الذي هو من سلالة الكنعانيين، أصحاب الأرض الأصليين، وتقدم لنا صورة عن الطريق المستقبلي لقضية هذا الشعب المشرد الذي يعاني من الاحتلال والأنظمة وغير ذلك، وأن دربه شائكة، ومقاومته ومحاولاته للخلاص محفوفة بالمخاطر والموت والرعب.

ويمكن استخلاص ترميزات كثيرة من الأفعى التي تبتلع البقرة، كما لو العالم السلبي الذي يبتلع القضية الفلسطينة، والأفعى سامة تحاول بث السموم والفرقة والرعب في نفسية الإنسان، ومنظر اللاجئين في الحلم المترامي بين أشواك العكوب الإبرية، كما لو دروب الجوع والمهانة والتعب...الخ.

إن العوالم التي اختتم بها صبحي فحماوي روايته "سروال بلقيس" عوالم سلبية قاتمة مرعبة تعطينا فكرة عميقة وجارحة عن مصير القضية الفلسطينية من جهة، ومصير كل إنسان شريف مقاوم يسعى إلى الخلاص والحرية والبقاء بكرامة، ليمارس أفعاله بحرية من جهة أخرى.

 

منظمات دولية تتهم الجيش اللبناني بتعذيب لاجئين سوريين حتى الموت

قطر أبعد ما تكون عن الخروج من ورطتها

العبادي يستبق نهاية المعركة لتهنئة العراقيين بـ\'الانتصار الكبير\'

بوتفليقة يطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية

قذيفة مجهولة تنمي فوضى الاقتتال في العاصمة الليبية

انتهت مناورات قطر وحان وقت الرد الخليجي الحاسم


 
>>