First Published: 2017-07-03

محمد الشايب .. قاص الشوارع يبحث عن الحرية

 

الكاتب المغربي محمد الشايب يتجول في شوارع المجموعة المذهلة، ويقص علينا عذابات المدينة العربية المغربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: صبحي فحماوي

لا صوت يعلو فوق صوت الصمت

القصّاص هو من يسير هنا وهناك، باحثاً، يقتفي الأثر. ومحمد الشايب في هذه المجموعة القصصية، الموسومة بعنوان؛ "الشوارع"، إحدى مجموعاته القصصية التي احتفل مهرجان الصويرة في العام 2015 باعتبارها مبحث النقاد العرب والمغاربة، وتدوين قراءاتهم حولها، فجعله قاص الصويرة الوحيد في ذلك المهرجان، وهنا تجده يعمل قصاصاً وقاصاً في الوقت نفسه، إذ أنه يقص علينا أدهش القصص، بما يراه في شوارع بلاد العرب، وخاصة في بلاده المغرب بلادنا العربية.

تجده من الصفحة الأولى يتجول في "شارع الحرية"، وهي القصة الأولى في الكتاب، يتجول وهو لا يتزود بزاد، ولا يقاسمه وحشة الطريق رفيق، حسب قوله، حيث الشارع يجري ماء وفواكه.

وبالفعل فأنت في المغرب تشاهد الماء أمطارا وأنهارا وبحارا وليس بحرا واحدا من البحر الأبيض المتوسط في الشمال إلى المحيط الأطلسي في الغرب. وتشاهد الفواكه غابات قطوفها دانية. والمغرب خيرات وخيرات.

يقول الشايب: "رأيت الشارع يلعب، والشارع شوارع، واللعب ألعاباً، واللاعبون كثيرون، كثيرون جداً.. وأنا لا أتقن أي نوع من اللعب.. أواصل المسير."

يواصل الشايب السير في دروب غربته.. "ظللت مفقوداً بين الإشارات والدروب، طائراً جريحاً تخلى عنه السرب، جنديا مهزوما ضل الطريق، فسقط أسيراً..".

يسير السارد المحزون، وفي القلب شوارع جارية، وغابات مخضرة، وحزن ضارب في القدم وجراح لا تندمل. وفي الطرقات يمر على فتيات وفتيان يحتشدون قرب نافورة، يرددون الشعارات، يلعنون اللصوص، والاستعمار والصهيونية.. وينادون بالتغيير.. فنفهم منه أن مشكلة العرب مختصرة في (لصوص الفساد الاقتصادي، والاستعمار، والصهيونية).

يرن هاتفه النقال في جيبه، يخرجه ويجيب، فيتدفق صوت أنثوي يقول "أنا في شارع الحرية".. ثم ينقطع الصوت فجأة.. ينطلق ليبحث عن محبوبته، في شارع الحرية، يقول "جرفتني سيول السؤال.." فأتته الإجابات: "عرج على اليمين...عرج على اليسار.. سر في نفس الاتجاه.."

وأمام شوارع الفواكه؛ التين والتفاح والعنب "ما أحلاه." كما يقول؛ ظل يقطر ظمأً.. قرأ اللوحات، وأسماء المدن، ووسائل السفر، وشاهد حقائب السفر وقبلات اللقاء والفراق، ودموعاً وضحكات.. عاش الفصول كلها باحثاً عن شارع الحرية.. وأخيرا وبعد توهان ووهن، سأل شرطيا ينظم حركة المرور"أين يوجد شارع الحرية؟" حدّق الشرطي في وجهه، ثم أجابه:

"لا يوجد في هذه المدينة شارع الحرية." لاحظ أن رجل الأمن هو الذي يقرر.

انتهت القصة، وانتهت الحرية إلى حيث لا حرية في هذه المدينة.

في قصته "الفرح" تنظم (خدّوج) حفل زفاف لابنتها (طامو) العاملة بضيعة البرتقال التي يملكها (الجنرال)، والعريس (عبدالقادر) العامل بضيعة العنب التي يملكها (عيسو). وعيسو حسب علمي هو اسم يهودي مغربي؛ أخ يعقوب، وابن اسحق.. وهنا بدون أن يتحدث الكاتب عن الصراع الطبقي والاستغلال المذهل للفقراء، نشاهد طبقة مالكي المزارع الإقطاعية من الجنرالات، وأمثال عسيو.

وفي الحفل تصدح المغنيات: "مسكين تزوج مسكينة، وتهنا المدينة.." فمن كلمات، مسكين ومسكينة.. وكون المدينة تهنأت، معنى ذلك أن المدينة قاطبة يسكنها الفقراء الذين تهنأوا. والمسكينَان العاملان في المزرعتين "طامو، وعبدالقادر" ما هما سوى نموذجين من أهالي المدينة "المسكينة"... حتى اشتقاق الاسمين؛ "طامو" من الطامة الكبرى، وعبدالقادر من "العبد" الذي يعمل عند ذلك "القادر" عيسو.

وهكذا تستمر قراءتنا لسارد قصاص حساس، يتجول في شوارع هذه المجموعة المذهلة، وهو يقص علينا عذابات المدينة العربية المغربية، حيث "لا صوت يعلو فوق صوت الصمت." بعد أن كان شعارنا في الستينيات من القرن الماضي: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة." ولكن الحاضر مُرّ، والعين بصيرة، واليد قصيرة.

السارد بعباراته المدهشة في هذه النصوص، يشعرنا بـ "جمالية القبح".. جمالية النصوص بكل ما فيها من قضايا متزاحمة، ومشاعر متشابكة، ودراما متدافعة، تُنطق الحجر، وتشد القارئ ليتابع ما يجري، ويسأل، ليعرف: ماذا بعد؟

في أسلوب محمد الشايب اللغوي تقرأ كثيراً من التعابير البليغة المدهشة، وتستمتع بقراءة الانزياحات الشعرية في اللغة إذ يقول: "طبول تقهر صمت الليل.."

"وهطلت الدهشة بغزارة."

"عادت جماعة الليل، بعدما صبت في بطونها كل قناني النبيذ."

وفي قصته "الساحة" تشاهد في الحافلة بائع أدوية يبيع دواء يعالج البرودة الجنسية، والسكري وأمراضا أخرى.." وتشاهد رجلاً آخر يحمل كمانا ويعزف ويغني، فيحصل على دريهمات.. ينزل فتصعد امرأة تقول إنها خارجة من المستشفى ولا تملك أجرة الطريق، فهي تتسول.

وعلى هذه الصور تتساءل: لماذا نجد في المجتمع العربي عموماً، بعض الرجال يقومون بالعمل ليحصلوا على بضعة دريهمات، بينما بعض النساء تستسهل التسول؟

وفي هذه القصة وغيرها تجد محمد الشايب مهتما بعرض صور تلوث البيئة، إذ يقول صفحة 19: "تتحرك الحافلة تنفث دخانا كثيفا..". وفي صفحة 20 يكتب: "إن أزبال الساحة تتكاثر باستمرار، وصارت مطرحاً للنفايات"، وقد تكون الأزبال هنا هي الفساد الذي يسود اقتصاد الرأسمالية المتوحشة.

وتجده أيضاً يصور مشاعر المواطنين من الاستعمار (الاستخراب) إذ يقول في صفحة 6 "وفي الطرقات يمر على فتيات وفتيان يحتشدون قرب نافورة، يرددون الشعارات، يلعنون اللصوص، والاستعمار والصهيونية.. وينادون بالتغيير".

وفي قصة "الساحة" صفحة 18 يقاوم الاستعمار، بصورة لا تحمل التأويل:

"اتفو هاذ القنيطرة، خواوها مريكان والفرنسيس وعمرها لعروبية واجياله...".

وفي هذه القصة؛ يشب حريق ويتغول، لدرجة أنه "تحول الماء بين يدي رجال المطافئ إلى نار، فجنت العقول، وهطلت الدهشة بغزارة. وكانت النتيجة أن غادروا المكان بهدوء تام". ولهذا؛ "علّال وصفية لم يقاوما هول الزلزال، بل حلقا بجناح واحد، وانطلقا يبحثان عن قوتهما خارج الساحة.." هذا هو الحل عند محمد الشايب، إذ أن الشباب الذي يطالب بالتغيير، ولم يحصل عليه، لا يجد أمامه سوى الهجرة.

وذلك ما كان شاعر أعرابي قد قاله للأمير معن بن زائدة:

"سأرحل عن بلاد أنت فيها ** ولو جار الزمان على الفقير"

وتقرأ أمثلة معبرة ومصورة للواقع المعاش، مثل: "كثرت الأعراس، وقل الفرح".

هذا ما يراه الشايب.. إن نتيجة القهر غير المقدور على تغييره أمام تغول المستبدين، هو الرحيل. ولهذا نجد أوروبا خصوصاً، وبلاد الغرب عموما مكتظة بالمهاجرين الشباب العرب.

لا أملك بقراءتي هذه إملاء تصوراتي على القاص المبدع الذي صور الحياة المغربية خاصة، والعربية عامة، خير تصوير. ولا أن أقول له إن على الشباب أن لا يرحل، بل أن يضحي بما يستطيع، لإحداث النقلة التطويرية للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد.

نستطيع أن نوجز مشاهد المجموعة القصصية (الشوارع) ذات اللغة العربية الجميلة، والسرد الممتع المدهش الهادف المتقن، بعبارة مقتطفة من قصته "نهاية"، إذ يقول :

"رأيت أشجار التين واقفة تتلو قصائد الرثاء.. أغصانها عارية، وجذوعها جافة.. بكيت الحضور الذي تقهقر أمام هجوم الغياب الكاسح... فعرفت أن القرية كلها ماتت."

إن ما يرسمه محمد الشايب لا يعبر عن شوارع مدينة مغربية، بقدر ما هي مدينة عربية.. هي المدينة نفسها التي رسمتها في روايتي "الحب في زمن العولمة". فالخيرات في وطننا العربي كثيرة.. والمياه والأمطار والفواكه كثيرة.. والشباب المستعد للتضحية البحث عن الحرية كثير، ولكن "الشرطي" قال له إنه لا يوجد شارع أو ممر أو منفذ للحرية في هذا البلد.

 

صبحي فحماوي

 
صبحي فحماوي
 
أرشيف الكاتب
محمد الشايب .. قاص الشوارع يبحث عن الحرية
2017-07-03
هؤلاء .. لماذا اشتهروا؟
2017-06-21
يحزنني بوشكين في كل مرّة
2017-06-18
زقاق المدق..هل كان أجمل؟
2017-06-07
أخناتون ونفرتيتي الشامية
2017-06-05
\'أخناتون\' .. رواية مختلفة لأجاثا كريستي
2017-05-14
المزيد

 
>>