First Published: 2017-07-04

شهر من الكسل

 

على الأشخاص الذين يتباهون بقضاء الليل بأكمله في التعبّد والتهجّد، أن يبلغونا عن الأعمال التي قاموا بها في نهار اليوم التالي، أليس العمل عبادة!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لم تتغير طبيعة حياتنا هنا في بريطانيا على مدار شهر رمضان، أوقات العمل مستمرة بنفس درجة الضغط، سلوكنا لم يطرأ عليه ما يوحي للآخرين بأننا صائمون ويجب أن نلاقي منهم معاملة استثنائية، صحيح دب الوهن في أجسادنا وتلاشت السهرات، كان موعد الإفطار قاسيا عندما اقترب في الأيام الأخيرة من العاشرة مساء، بحيث ألغى أي فرصة للسهر بمجرد التفكير في عمل اليوم التالي.

هل كان الحال نفسه عند أهلنا هناك في بلدان الشمس اللاهبة، أشك في ذلك! لأن كل الوقائع تقول لنا إنهم قضوا شهرا كاملا من الكسل كانت فيه ساعات النوم أكثر من ساعات العمل، وطبيعة حياتهم في هذا الشهر لم تكن منتجة، بل انتهت في أحاديث مكررة وسهر غير مجد أمام شاشات التلفزيون التي لم تقدم لهم غير السطحية المريعة.

لن تجرؤ وزارات التخطيط في الدول العربية على وضع مخطط بياني للإنتاجية خلال شهر رمضان المبارك، لأن مؤشر الانخفاض سيكون مريعا وأقرب إلى الفضيحة في شهر الصوم، إلى درجة يهد فيها جدران المقولة التاريخية التي نزعم فيها بأن العمل عبادة! لكنه في شهر رمضان ليس أكثر من فرصة مضافة للتذمّر والتنمّر على أفراد الأسرة وزيادة الطلبات على النساء المسكينات، والتصرف بالنسبة لأرباب المنازل بأن كل أفراد الأسرة في هذا الشهر خدم عندهم!

لم يكن النوم حلا، إلا عندما يكون معادلا للجهد الذي يبذله الجسد، لكن أن يكون النوم وسيلة لمواصلة الكسل واللامبالاة والتراخي عن المهام، فذلك لا يعني غير تحطيم الفكرة المتوخاة من شهر الصيام، نحن نصوم كي نصحو، لا نصوم كي نكسل ونلغي أعمال شهر كامل.

على الأشخاص الذين يتباهون بقضاء الليل بأكمله في التعبّد والتهجّد، أن يبلغونا عن الأعمال التي قاموا بها في نهار اليوم التالي، أليس العمل عبادة!

بيولوجيا يصعب تقبّل فكرة أن يقضي الإنسان الليل مستيقظا ومن ثم بمقدوره مواصلة التفكير والعمل السليم خلال النهار، سيجد النوم حجة مقابل ما بذله من جهد في الليلة السابقة.

النائمون أثناء النهار في عالمنا العربي مشكلة متواصلة في شهر رمضان المبارك، والمثير في الأمر أن المساجد والتلفزيونات صارت سببا في ذلك وليس بمقدور الحكومات أن توقف هذا الترهل في جسد المواطن العربي، كما فعلت الحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما اكتشفت أن سبب تأخر عمال المصانع يعود إلى مواصلة الشراب حتى وقت متأخر ليلا، فأصدرت قرارها القائم إلى اليوم تمنع فيه الحانات تقديم قطرة خمر واحدة بعد الساعة الحادية عشرة مساء!

 

كرم نعمة

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
عندما يتمرد السياسيون، الصحافيون يقفون بثبات
2017-06-04
ثور هائج في متحف خزف
2017-05-30
المزيد

 
>>