First Published: 2017-07-04

سماء يحيى: الأنوثة حالة فنية واستدعاء الموروث يجدد الإبداع

 

التشكيلية المصرية تؤكد أن تنمية الرغبة والقدرة على الابتكار دون فقدان الصلة بالجذور هو ما ينقصنا في هذه الفترة على وجه الخصوص.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: شريف الشافعي

ثلاث فتيات.. العالمية في الفن تبدأ من الاستغراق في الأصل الثقافي

رموز الأنثى تتجلى وتتعدد في أعمال التشكيلية المصرية، وقد يتسع مجال التأويل لتتجاوز الأنوثة محدودية المرأة، فتحضر أنوثة الطبيعة وأنوثة المكان وأنوثة الكون كاملًا.

ولا تخطئ عين الرائي حضور التشكيلية سماء يحيى كصاحبة بصمة خاصة في حركة التشكيل الحديثة بمصر، وكواحدة من أبرز المتفاعلين مع الروافد الفنية المصرية بجذورها الفرعونية وطقوسها الشعبية وتمثلاتها الأنثوية بالمفهوم الأعمّ؛ الأرحب من أيقونة المرأة.

حين يقال “دنيا” الفنانة سماء يحيى فالمقصود ليس فقط معرضها الأخير “دنيا” الذي شهده متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية مؤخرا، لكن يتسع المراد ليعني عالم التشكيلية المصرية صاحبة التجربة الدينامية المتطورة عبر معارض متتالية؛ مثل “فرحة” و”هنا عرايس بتترص”، وهما ضلعان من أضلاع ثلاثيتها التي اكتملت بالمعرض الأخير “دنيا”.

تتعمق الفنانة والناقدة التشكيلية سماء يحيى في تفاصيل هذه التجربة التي شهدتها معارضها الأخيرة، مبرزة أنها قصدت بها إضفاء الطاقة والتفاعلية والمعاصرة على المعطيات التراثية كالعرائس وقماش الخيامية وجنيّة البحر وغيرها، ليس بمنطق إحيائي أو استنساخي، وإنما بهدف “إعادة تشكيل الموروث بروح اللحظة الراهنة في تكوين جديد قادر على الاستقلال”.

مشروع الفن عند سماء يحيى، ابنة الحركة التشكيلية المصرية والحاصلة على درجة الدكتوراه من كلية التربية الفنية بجامعة حلوان في العام 2009، هو “مشروع تراثي يقوم على إيجاد أسلوب أو حلول فنية خاصة تحمل الهوية المصرية في المقام الأول”، ولأنه فن ينهل من المعين الشعبي فيجدر به أن يكون مستساغًا على كافة مستويات التلقي وأن يكون “قادرًا على اجتذاب البسطاء بعناصر ومفردات من مخزون وعيهم”.

• مغامرة ولعب وشغف

الفن، من وجهة نظرها، بعد أن مثلت مصر في معارض خارجية بارزة وحصلت على جوائز دولية عدة، يرتكز بالدرجة الأولى على محورين، الأول أنه مغامرة إن لم يقدم عليها الفنان سوف يبقى “محلّك سر” في المربع الآمن ليقع في فخ التكرار. والثاني أن الفن في الأساس لعب وشغف، وعليه فكل فنان يجب أن يصنع لعبته الخاصة التي تحمل هويته وتراثه وثقافته وكل معطياته كإنسان لتتمثل في منتجه الإبداعي.

في لوحاتها ومجسّماتها وأعمالها على قماش الخيامية تستخدم عادة مفردات وعناصر وخامات من البيئة الشعبية مرتبطة بحياة المصريين، وعن هذا توضح “أعمد إلى تلك الانتقاءات، ومن ثم اخترت الخيامية وعروق الخشب القديم كخامات، والعروس كمصاحب لها، في مشروع فني تراثي قدمته على مدى سنة ونصف السنة عبر ثلاثية معارضي ‘فرحة’ بقاعة الباب سليم بمتحف الفن المصري الحديث، و’هنا عرايس بتترص’ بقاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا المصرية، وأخيرًا ‘دنيا’ بقاعة حامد عويس بمتحف الفنون الجميلة في الإسكندرية”.

هناك حيز للفرح في أشغال الخيامية إذ تنطلق العروس؛ عروس المولد وأحيانًا عروس البحر وأيضًا المرأة العروس، كأنثى متعددة الدلالات واسعة الآفاق لتهب الحياة وتكمل دورتها في الطبيعة.

هذه الأنثى، تقول سماء يحيى “كأنها خرجت من خشب الخيمة القديم أو من سقف البيت القديم، فعروستي هي الست المصرية في كل أحوالها. تلك المعلقات والمجسمات عساها أن تصنع عملًا تركيبيًّا كبيرًا ينثر الفرحة والدهشة معًا، فيغمر المشاهد تيار دافق من المتعة البصرية والأسئلة المدهشة. هذا طموح للفنان”.

العروسة، عنصر أساسي في التراث، عبر عصوره المختلفة، فهي مثلًا عند الفراعنة، كما توضح سماء يحيى “موجودة لأغراض حياتية، وفي الفن الإسلامي موجودة في العمارة أو ما يسمّى عرائس الجوامع في الفن الشعبي؛ سواء المحكي أو المرسوم، وما يعني الفنان هنا؛ الأنثى: الأم، البنت، الطفلة، تلك هي العروسة”.

• الخيامية والعرائس الخشبية

تشير سماء يحيى إلى أن اهتمامها بالعرائس الخشبية جاء وليد الصدفة، فبينما كانت منهمكة في مشروع الخيامية ظهرت أمامها عروق الخشب الخاصة بسقف بيت جدها، ورأت فيها عرائس تنظر إليها، فما كان منها إلا أن جمعتها وأخرجت العروسة منها وأضافت لها كل ما يمكن أن يتعلق ببيت أو باب قديم من ترابيس وأقفال ومفاتيح وغيرها، لتكون هي حليات العروس.

عن تلك التجربة بصحبة “العرائس″ تستطرد سماء يحيى قائلة “الفكرة التي استحوذت عليّ في تلك اللحظة لم تكن عمل تمثال، وإنما عمل عروستي الخاصة، لعبتي المتفردة، لتتطور الفكرة من تلقاء نفسها وتصبح مجموعة عرائس متنوعة الأشكال والأحجام والتراكيب، وعندما تأملتها اكتشفت أنها منحوتات تحمل في طياتها مخزوني الثقافي كاملًا، ففي إحداها أثر إسلامي، وفي الأخرى أثر لبناء فرعوني، وفي الثالثة تكوين شعبي، ولدى الرابعة وجه قبطي، وهكذا اقتادني الفن إلى اللعب والفن لعب بالدرجة الأولى”.

أما خامة الخيامية، ذات الطابع التراثي التي ترتبط بكل مصري منذ الميلاد، فتصفها سماء يحيى بأنها “خامة مراحل الحياة المختلفة بما فيها من أفراح وأحزان، وحتى في رحلة الإنسان الأخيرة إلى الموت، نجد الخيامية في قماش العزاء وكأنها تودّعه، وعليه فإن نظرتي للخيامية لم تقتصر على فن تراثي أو قماش للرسم، وإنما هي كائن حيّ يتنفس أفراحنا وأحزاننا ويشاركنا إياها، فأردت أن أشاركها ما أحبّ من تشكيلاتي الفنية”.

لم تر سماء يحيى في الخيامية مجرد خامة تفرض ألوانها أو تشكيلها، بل على العكس، هي خامة تعطي الفنان بقدر ما يعطيها وتتواصل معه، وعن ذلك تسهب في الحديث “كانت اللوحة نتاج حوار ما بين رسومي ورسوم الخيامية، فهي حالة من الرسم على الرسم تجمع بين ما هو تراثي أصيل وما هو معاصر، دون أن يطغي أيّ منهما على الآخر لتخرج اللوحة كنسيج واحد يجمع رسوم وتشكيلات الخيامية المحفوظة وما ورد عليها من تشكيلات جديدة”.

هكذا، تتعايش العناصر كلها، القديمة والحديثة، في تكوين فني جديد متكامل، وفي سبيل ذلك، تقول سماء “استخدمت خشب أسقف قديمة وخيامية قديمة لأنني رأيت فيها جمالًا وأصالة، ولأن مسعاي الأساسي الوصول بالمتلقي إلى أن يشاركني بهجة رؤية الجمال في كل ما هو أصيل وبسيط من حوله، وبالنسبة إلى ما رسمته على الخيامية فالمسألة كانت استاتيكية تمامًا، فقد رسمت ما أحبّ من أشكالي الخاصة جدًّا، بحالتي الخاصة جدًّا، على خامة ترتبط بحياة أيّ منا، لأصبغها بشيء من خصوصيتي، موجدة حالة من الوحدة بين أشكالي وبين نسيج الخيامية”.

تتجلى وتتعدد رموز الأنثى في أعمال سماء يحيى، وقد يتسع مجال التأويل لتتجاوز الأنوثة محدودية المرأة، فتحضر أنوثة الطبيعة وأنوثة المكان وأنوثة الكون كاملًا.

عن ثيمة المرأة وعناصر الأنوثة تقول سماء يحيى “عيون النساء في أعمالي مرايا لحالاتهن الداخلية، فهن يحكين بعيونهن قصصهن الأزلية المتجددة من حزن وفرح وألم وأمل، الأنوثة ليست فقط في المرأة، فمراكبي مثلًا إشارة إلى الأنثى، وقد اخترت مراكب معينة تختص بها منطقة البرلس، فالمراكب هناك مختلفة في بنائها وتشكيلها عن أيّ مراكب أخرى، إذ لا تشق ماء البحيرة وإنما تتهادى على سطح الماء كأنثى. العرائس أيضًا بكل أشكالها تحمل ما يختلج بصدور النساء. الأنوثة حالة وليست شكلًا”.

على الرغم من بلوغها شأوًا واسعًا من التحقق المحلي والدولي كتشكيلية وناقدة فإن سماء يحيى تعتبر نفسها لا تزال في بداية الطريق، إذ أن الفن مراحل تتكون بتراكم الخبرات والرؤى، فتقول “غاية سعيي محاولات عفوية لفك شفرة الوجود من خلال استخدام اللغة البصرية. ما يطور الشاعر ويجود أداءه اللغوي باكتساب الخبرات والمعارف والتجارب، بالإضافة إلى شحذ الأدوات، فإن الفنان التشكيلي يقوم بذلك أيضًا، وما أنجزته حتى الآن هو مجرد مرحلة، وإن استطعت فسوف تتلوها مراحل أخرى لا أستطيع تحديدها الآن”.

للفنانة سماء يحيى نظرة خاصة إلى “العالمية”، فهي لا ترى مفهومها بمعنى السفر للخارج وعرض لوحات “على جدار الخواجة”، بل إن العالمية الحقيقية “هي إغراق في المحلية وتمسّك بالهوية وليست نقلًا عما ينتجه الخواجة ومسخًا له دون أساس أو فلسفة، والفن الأصيل هو ما يبقى ويصل بخصوصيته للآخر دون وسيط”.

وترى سماء يحيى أن الفن المصري في مرحلته الراهنة بحاجة إلى الرجوع إلى مشروع مدرسة فنية قومية، وبالفعل يوجد رصيد هائل من المواهب الشابة التي تمتلك الرؤية، ولديها الدأب والإصرار، لكن ينقصها العمق الثقافي والتمسك بمشروع الأصالة والبعد عن الصراعات والتقاليع الغربية، وتقول “أعتقد أن تنمية الرغبة والقدرة على الابتكار دون فقدان الصلة بالجذور هو ما ينقصنا في هذه الفترة على وجه الخصوص”.

 

منظمات دولية تتهم الجيش اللبناني بتعذيب لاجئين سوريين حتى الموت

قطر أبعد ما تكون عن الخروج من ورطتها

العبادي يستبق نهاية المعركة لتهنئة العراقيين بـ\'الانتصار الكبير\'

بوتفليقة يطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية

قذيفة مجهولة تنمي فوضى الاقتتال في العاصمة الليبية

انتهت مناورات قطر وحان وقت الرد الخليجي الحاسم


 
>>